دمشق ـ الوطن:
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "مسألة الهوية" (248 صفحة) للمفكر الفلسطيني عزمي بشارة. يقدم الكتاب دراسة نظرية متكاملة لضبط مفهوم الهوية وتحديد مجاله الدلالي وفاعليته التفسيرية في العلوم الاجتماعية، في ظل اتساع استخدامه الشائع في الإعلام والسياسة وتحميله دلالات متباينة قد تسبب إرباكاً في تفسير الظواهر الاجتماعية، متجاوِزاً ومطوراً أطروحته الأولية "تأملات في مسألة الهوية" (2022).
من المصطلح إلى المفهوم التحليلي: لا يرفض الكتاب المفهوم لغموضه، بل يميز بين الاستخدام اليومي والمجازي (مثل "هوية الدولة" و"صراع الهويات") وبين الاستخدام العلمي الدقيق. ويُعرّف بشارة الهوية بـ "خصائص الفرد التي يعيها وتُشكّل شخصيته، متضمنةً انتماءً عاطفيًا مدركًا للجماعة" (من العائلة المباشرة إلى الشعب كـ "جماعة متخيلة"). كما يربط بين الهويتين الفردية والجماعية؛ إذ يتشكل وعي الذات في علاقة متبادلة مع الآخرين، مؤطراً ظهور مسألة الهوية بنشأة الحداثة والفرد الواعي بذاته وانتماءاته.
ويناقش المؤلّف اعتراضات باحثين بارزين تفكيكيين (مثل بروبيكر وكوبر)، ويُقِرّ بوجاهة نقدهم لاستخدام الهوية كتفسير شمول يطمس الفوارق التركيبية، لكنه يرفض اعتبار الهوية "وهماً" لمجرد أنها مصنوعة أو مركبة اجتماعياً وتاريخياً؛ فكونها بنية متغيرة لا ينفي واقعيتها ولا أثرها في حياة الأفراد، كما لا تغني عنها بدائل مثل "الفهم الذاتي".
الأخلاق والأيديولوجيا وسياسات الهوية: يوضح الكتاب أن الانتماء يوسع دائرة التضامن والكرامة، لكنه قد يتحول إلى نقيض ذلك إذا أحلّ تقسيم "نحن وهم" محل الأخلاق الإنسانية الجامعة. ويميز بشارة بدقة بين ثلاثة مستويات:
1 الهوية: كحاجة إنسانية وانتماء واعي غير مؤدلج بذاته.
2 الأيديولوجيا الهوياتية: تحويل الانتماء لجوهر ثابت مغلق وتعبئته سياسيًا عبر سرديات المظلومية والتميز.
3 سياسات الهوية: الممارسة الوسطية التي يعتمد أثرها الإيجابي أو السلبي على السياق الاجتماعي والدستوري، مؤكدًا إمكانية الاعتراف بالحقوق الثقافية ضمن "نحن" مواطنية جامعة.