الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م - 2 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : مواجهة الشائعات مسؤولية مشتركة لتعزيز الوعي وصون الثقة المجتمعية

في العمق : مواجهة الشائعات مسؤولية مشتركة لتعزيز الوعي وصون الثقة المجتمعية
الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 02:56 م

د.رجب بن علي العويسي

في ظلِّ ما أتاحته منصَّات التواصل الاجتماعي من سرعة في تداول المعلومات واتِّساع في دائرة انتشارها، وجدت الشائعات بيئة خصبة للنُّمو والانتشار، مستفيدةً من التحوُّلات الرَّقميَّة المتسارعة والانفتاح الكبير في فضاءات الاتِّصال الإلكتروني. ولم تَعُد الشائعة مجرَّد خبر كاذب أو معلومة مضلِّلة، بل أصبحت أداة مؤثِّرة في تشكيل الرأي العام، وإثارة الأحداث، وإضعاف الثِّقة، وتشويه الحقائق، والتأثير في استقرار المُجتمعات وأمنها الفكري والاجتماعي.

على أنَّ غياب الوعي لدى بعض المستخدمين، وسوء استثمار هذه الوسائل، وغياب الضوابط التي تحدُّ من هذه الممارسات غير المنضبطة، أفسح المجال أمام البعض إلى توظيفها في نشر الأكاذيب وصناعة الأزمات وإثارة الفِتن، مستغلِّةً سهولة إنشاء الحسابات الوهميَّة، وضعف التحقُّق من المعلومات، وسرعة إعادة تداول المحتوى دون تمحيص، حتى تحوَّلت المنصَّات الرَّقميَّة ساحة للإشاعة والفوضى المعرفيَّة.

ومن هذا المنطلق، وجد مروِّجو الشائعات في الفضاء الرَّقمي بيئةً مناسبة لتحقيقِ أهدافهم، مستهدفين فئة الشَّباب على وجْه الخصوص؛ لِمَا تتميز به من حضور كثيف في المنصَّات الرَّقميَّة، وسرعة في التفاعل مع الأحداث والمستجدَّات. مستغلِّين بعض القضايا التي باتت تُشكِّل هواجس للشَّباب ذات العلاقة بالتوظيف والتسريح، وتوجيه النقاشات نحو قضايا جانبيَّة، مع ما تبعها من إثارة الشكوك في كل ما يصدر عن المؤسَّسات الرسميَّة.

ولعلَّ أخطر ما تخلِّفه الشائعات أنَّها لا تكتفي بتشويه الحقائق، بل تمتدُّ آثارها إلى التأثير على منظومة القِيَم، وإضعاف الثِّقة، وإرباك عمليَّة اتِّخاذ القرار، فكم من إشاعة أضرَّت بسمعة إنسان، أو أثارت خلافًا بين أُسرة، أو ألحقت ضررًا بمؤسَّسة، أو أسهمت في تعطيل مشروع، أو خلقت حالة من القلق المُجتمعي لا تستند إلى أيِّ أساس من الحقيقة.

كما تؤدِّي الشائعات إلى تشويه الوعي الجمعي، وإضعاف ثقافة الحوار، وسرعة الأحكام المسبقة، وتغييب الموضوعيَّة، وحالة الانفعال والاندفاع التي أغلقت التفكير الرشيد. ويتراجع الاحتكام إلى الدليل لصالح الانجراف وراء ناهق وناعق مع ما يتمُّ تداوله بصورة واسعة، وإن كان بعيدًا عن المصداقيَّة، لِتُشكِّلَ بيئة خصبة لإنتاج مزيدٍ من المعلومات المضلِّلة، بما يُهدِّد الأمن الفكري للمُجتمع، ويؤثِّر في استقراره وتماسُكه.

ومن هنا، فإنَّ مواجهة الشائعات يجب أن تكونَ وفق سياسات واضحة واستراتيجيَّات حكيمة وخطط فاعلة، وبناء ثقافة وقناعة مُجتمعيَّة بمخاطر الشائعات وخطرها على كل مجالات الحياة، لِتبدأَ مسألة الواجهة ببناء الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وعلى التعامل مع المحتوى الرَّقمي بعقليَّة ناقدة، تستند إلى التثبُّت والتحقُّق قَبل النشر أو إعادة التداول؛ ذلك أن المُجتمع الذي يمتلك وعيًا رقميًّا راسخًا يكون أكثر قدرة على حماية نفسه من الأفكار المضلِّلة والمعلَّبات الفكريَّة، وأكثر وعيًا بمسؤوليَّته الأخلاقيَّة والوطنيَّة في صون مُجتمعه والحفاظ على هُوِيَّته وتماسُكه.

لقد أصبحت الشائعات في العصر الرَّقمي واحدة من أبرز التحدِّيات التي تواجه المُجتمعات؛ لِمَا تتركه من آثار سلبيَّة في منظومة القِيَم، واستقرار المُجتمعات، وثقة الأفراد بالمؤسَّسات، ولم تَعُد خطورتها مرتبطة بمحتواها فحسب، وإنَّما بسرعة انتشارها، واتِّساع نطاق تأثيرها، وقدرتها على إعادة تشكيل الانطباعات والاتِّجاهات في وقت قصير، بما يجعل التعامل معها مسؤوليَّة وطنيَّة تتطلب تكامل الأدوار بين مختلف المؤسَّسات الرسميَّة والمُجتمعيَّة.

ولذلك، فإنَّ التحدِّيات التي تفرضها الشائعات في العصر الرَّقمي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تحدِّيات إعلاميَّة وقتيَّة، بل هي قضيَّة وطنيَّة تمسُّ الأمن الفكري، والاستقرار الاجتماعي، والثِّقة المؤسَّسيَّة، والهُوِيَّة الوطنيَّة، الأمر الذي يستدعي التعامل معها برؤية استراتيجيَّة تستثمر في الإنسان وعيه والتزامه وأخلاقه ومهاراته ومبادئه قَبل التقنيَّة، وفي بناء الوعي الجمعي قبل تشريع العقوبات والتغليظ فيها، وفي ترسيخ المسؤوليَّة المُجتمعيَّة والحسِّ الوطني المسؤول قَبل الاكتفاء بالإجراءات؛ فإنَّ تعزيز الثقافة الرَّقميَّة وتعظيم الأمان الرَّقمي والحدَّ من المخاطر التقنيَّة والتي من بينها الشائعات يُعَدُّ خيارًا وطنيًّا تفرضه طبيعة العصر، بما يتطلبه من تنمية مهارات النقد البنَّاء، والتحقُّق من صدق المعلومات، وتعزيز المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وترسيخ قِيَم احترام المعرفة الحقَّة والكلمة الصَّادقة، وعدم الانجرار وراء كل ما يُنشر أو يُتداول دون دليل أو مصدر موثوق.

وفي هذا الشأن، تُعزِّز سلطنة عُمان جهودها نحو ترسيخ التحوُّل الرَّقمي باعتباره أحَد المرتكزات الأساسيَّة لتحقيقِ مستهدفات التنمية الوطنيَّة، من خلال تطوير البنية الرَّقميَّة، وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونيَّة، ورفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز التكامل بين المؤسَّسات، بما يُسهم في بناء بيئة رقميَّة آمنة وموثوقة. وقد انعكس هذا التَّوَجُّه في تنامي الخدمات الذكيَّة، وتيسير الوصول إلى المعلومات الرسميَّة، وتوسيع قنوات التواصل بين المؤسَّسات والمُجتمع، الأمْر الذي أسْهَم في تعزيز الشفافيَّة وسرعة الاستجابة لمتطلبات المواطنين والمقيمين.

وجاءت التَّوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله» بشأن تعزيز الاستخدام الآمن للمنصَّات الرَّقميَّة، لِتؤصِّلَ مسارًا وطنيًّا يَضْمن الحدَّ من الشائعات وغيرها من المخاطر الرَّقميَّة غبر الاهتمام بتعزيز الوعي الرَّقمي، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول لمنصَّات التواصل الاجتماعي، من خلال المبادرات التوعويَّة، والبرامج التدريبيَّة، والشراكات بين المؤسَّسات الحكوميَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة، بما يرسِّخ قِيَم المواطنة الرَّقميَّة، ويُعزِّز قدرة الأفراد على التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلِّل. كما يُمثِّل الحضور الفاعل للمؤسَّسات الرسميَّة في المنصَّات الرَّقميَّة إحدى أهمِّ أدوات مواجهة الشائعات، عبر توفير المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، وسرعة الاستجابة الفوريَّة، والردّ على ما يُثار من أخبار غير صحيحة.

عليه، تبقى مواجهة الشائعات مسؤوليَّة فرديَّة ومُجتمعيَّة تتجاوز حدود الإجراءات القانونيَّة أو التقنيَّة إلى بناء منظومة متكاملة في بناء المواطن الواعي القادر على مواجهة الإشاعة بكل احترافيَّة، وبمحتوى نوعي يُؤكِّد الحقيقة ويصنع الالتزام، وهو أمْر يُؤكِّد اليوم على دَوْر منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها الإعلاميَّة والأمنيَّة والتعليميَّة باتِّخاذ خطوات جادَّة في تعزيز مهارات التربية الإعلاميَّة والرَّقميَّة لدى الطلبة، وإكسابهم أدوات التحليل والنقد والتثبت من المعلومات، حتى يصبحوا أكثر قدرة على التعامل مع المحتوى الرَّقمي بكفاءة ومسؤوليَّة. وفي المقابل، يضطلع الإعلام المهني بِدَوْر محوري في إنتاج محتوى موثوق، وتقديم المعلومات الدَّقيقة، ورفع مستوى الوعي العام، بما يُسهم في تضييق المساحات التي تتحرك فيها الشائعات، ويُعزِّز ثقة المُجتمع بالمصادر الرسميَّة والمهنيَّة.

إنَّ رفع الجاهزيَّة الوطنيَّة في مواجهة الشائعات يقتضي تَبنِّي رؤية شاملة لا تقتصر على معالجة نتائجها بعد انتشارها، وإنَّما تنطلق من الوقاية الاستباقيَّة، وبناء منظومة وطنيَّة متكاملة تجمع بين الجوانب التشريعيَّة والإعلاميَّة والتعليميَّة والأمنيَّة والتقنيَّة والثقافيَّة، بحيث تعمل هذه المنظومة في إطار من التنسيق والتكامل، بما يَضْمن سرعة الاستجابة، وفاعليَّة التعامل مع مختلف صوَر التضليل المعلوماتي.

وفي هذا الإطار، تبرز أهميَّة تعزيز التكامل بين المؤسَّسات الوطنيَّة المعنيَّة بالأمن السيبراني، والإعلام، والتعليم، والاتِّصال الحكومي، والثقافة، والقضاء، بما يُسهم في توحيد الرسائل الإعلاميَّة، وتطوير آليَّات الرصد والتحليل، والاستجابة السريعة للمعلومات المضلِّلة، والحدِّ من آثارها قَبل أن تتحولَ إلى قضايا رأي عام يصعب احتواؤها، ومن الأولويَّات التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في الفترة القادمة التأكيد على الإعلام الوقائي؛ باعتباره خطَّ الدِّفاع الأوَّل في مواجهة الشائعات.

كما أنَّ دعم المبادرات الشبابيَّة الهادفة إلى نشر الوعي الرَّقمي، وتشجيع إنتاج المحتوى الوطني الموثوق، وإبراز النماذج الإيجابيَّة في الاستخدام المسؤول لمنصَّات التواصل الاجتماعي، يُمثِّل ركيزة أساسيَّة في بناء بيئة رقميَّة أكثر وعيًا واتزانًا. فالشَّباب ليسوا فقط الفئة الأكثر استخدامًا للمنصَّات الرَّقميَّة، بل هم أيضًا الأكثر قدرةً على التأثير الإيجابي فيها متى ما أُتيحت لهم الفرصة، وتوافرت لهم أدوات المعرفة والتأهيل.

أخيرًا، فإنَّ تطوير قواعد بيانات وطنيَّة لرصد أنماط الشائعات وتصنيفها وتحليلها، ودراسة آثارها الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والأمنيَّة، والاستفادة من نتائج هذه الدراسات في بناء سياسات أكثر كفاءة في الوقاية والاستجابة. كما ينبغي توظيف تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لرصد المحتوى المضلِّل، واستشراف اتِّجاهاته، ودعم متَّخذي القرار بالمعلومات اللازمة للتعامل معه في الوقت المناسب أحد الطرق التي يجب أن يكونَ لها حضورها في المشهد الرَّقمي الوطني القادم.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]