الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م - 2 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : حين يصبح التعليم جسرًا إلى السلام

أضواء كاشفة : حين يصبح التعليم جسرًا إلى السلام
الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 02:55 م

ناصر بن سالم اليحمدي

10

ليست الحروب وحدها ما يُهدِّد سلام العالم، فثمة حروب صامتة تتسلل إلى العقول، وذلك حين يغيب التعليم، وتتراجع الثقافة، ويتمُّ طمس التراث واقتلاع الشعوب من جذورها.. فالسَّلام ـ في جوهره العميق ـ لا يعني مجرَّد غياب الصراع أو توقف أصوات المدافع.. إنَّما ـ خصوصًا في عصرنا الحالي ـ يُعَدُّ حالةً من الوعي الإنساني التي تنمو بالمعرفة، وتتَّسع بالحوار، وتترسخ حين يجد الإنسان في التعليم والثقافة طريقًا إلى الحياة الكريمة التي يتمنَّاها، وفي الاختلاف بين الشعوب فرصةً للتفاهم لا ذريعةً للصدام.

ومن هذا المعنى الإنساني الواسع تبرز الرؤية العُمانيَّة التي تُؤكِّد أنَّ الاستثمار في الإنسان هو الأساس الراسخ لبناء السَّلام المستدام.. وأنَّ التنمية الحقيقيَّة لا تكتمل بما تشيده الأيدي من عمران، بل بما تبنيه العقول من وعي، وما تغرسه النفوس من قِيَم التسامح، وما تحفظه المُجتمعات من إرث ثقافي يُشكِّل هُوِيَّتها ويمدُّ جسورها نحو الآخرين.. وهذا ما جسَّدته كلمة سلطنة عُمان في الدَّوْرة الخامسة والعشرين بعد المائتين للمجلس التنفيذي لمنظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والتي ألقتها سعادة السفيرة آمنة بنت سالم البلوشي، المندوبة الدَّائمة لسلطنة عُمان لدى المنظَّمة، حيث جاءت لِتجدِّدَ الإيمان بِدَوْر التعليم والثقافة والمعرفة في مواجهة التحدِّيات المشتركة، وتدعو إلى تعاون دولي أكثر فاعليَّة في حماية التراث الثقافي، وتطوير منظومة التعليم، ومساندة المُجتمعات التي أنهكتها الأزمات والنزاعات.

لا شك أن كلمة السلطنة، التي توزن بميزان الذهب، تُمثِّل رسالةً تتجاوز حدود المنابر الدوليَّة لِتلامسَ جوهر الحاجة الإنسانيَّة إلى عالم لا يجب أن يُتركَ فيه الإنسان وحيدًا أمام الجهل أو الفقر أو الخوف أو تداعيات الصراعات.. فقد أدركت عُمان، عبر نهجها القائم على الحوار والتعاون واحترام الإنسان، أن السَّلام المستدام لا يتمُّ فرضه من الخارج، ولا تصنعه الاتفاقيَّات وحدها، وإنَّما يبدأ من الداخل؛ من عقل يتعلم كيف يفكِّر، ويتربَّى على قَبول الآخر، ويؤمن بأنَّ الكرامة الإنسانيَّة حق مشترك لا تحدُّه الجغرافيا ولا تمزِّقه الاختلافات.. فحين يتعلم الإنسان تتَّسع أمامه مساحات الفهم، وحين ينفتح على الثقافات يدرك أنَّ التنوُّع ليس تهديدًا لهُوِيَّته، بل ثراءً يضيف إلى تجربته الإنسانيَّة أبعادًا جديدةً.

ولعلَّ ما يمنح هذه الرؤية عمقها أنَّ التعليم فيها ليس مجرَّد وسيلة للحصول على المعرفة أو إعداد الأجيال لسُوق العمل، بل هو أداة لبناء الوعي، وتحرير العقل من التعصُّب، وتهيئة الإنسان للمشاركة الإيجابيَّة في مُجتمعه والعالم.. ومن هنا تأتي أهميَّة مواصلة تطوير التعليم، والاستفادة من تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي، والانخراط في المشاورات الدوليَّة بشأن مستقبل التعليم لِمَا بعد عام (2030).. فالعالم يتغيَّر بوتيرة متسارعة، ولم يَعُد كافيًا أن نمنحَ الأجيال مفاتيح المعرفة المتاحة اليوم، بل ينبغي أن نهيئها لِفَهْمِ تحوُّلات الغد، وأن نغرسَ فيها القدرة على التفكير النقدي والابتكار والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة.

لكن الامتحان الحقيقي لقِيَم التعليم والثقافة يظهر حين تشتعل النزاعات، وتتعرض المدارس والمؤسَّسات الثقافيَّة للدَّمار، ويُحرم الأطفال من حقِّهم في التعلُّم، وتصبح حياة المُجتمعات معلَّقةً بين النزوح والخوف وفقدان الأمل.. ففي تلك اللحظات لا يكون دعم التعليم والثقافة ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات، بل ضرورةً لحماية ما تبقى من تماسُك المُجتمع، ومنح أفراده القدرة على النهوض من جديد.. فالمدرسة التي تعود إلى أداء رسالتها في مُجتمع أنهكته الحرب علامة على استعادة الحياة، ومساحة لاسترداد الذاكرة وترميم الروابط الاجتماعيَّة، والكِتاب الذي يصل إلى طفل في منطقة منكوبة قد يكون نافذته الأولى نحو مستقبل مختلف، بعيدًا عن دوائر العنف التي حاصرته.. لهذا تبرز أهميَّة تعزيز دَوْر اليونسكو في مسانَدة القِطاعات التعليميَّة والثقافيَّة بالمناطق المتأثرة بالنزاعات، وتطوير الاستجابة الدوليَّة بما يتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانيَّة.. وفي هذا الإطار تكتسب مبادرة سلطنة عُمان الدوليَّة «خطَّة مسقط» أهميَّة خاصَّةً بوصفها إطارًا لتعزيز الحوار والوقايَّة من النزاعات وترسيخ التَّماسُك المُجتمعي.. فالحوار ليس علامة ضعف، كما أنَّ الاستماع إلى الآخر لا يعني التخلِّي عن المواقف والمبادئ، بل هو تعبير عن نضج في إدارة الاختلاف، وإدراك بأنَّ النزاعات التي تتَّسع بفعل سوء الفَهْم وانعدام الثِّقة لا يمكن احتواؤها إلَّا بإيجاد مساحات مشتركة تُصان فيها الكرامة، وتُقدَّم فيها لُغة التفاهم على منطق الإقصاء.

لا شك أنَّ ما يحتاج إليه العالم اليوم ليس مزيدًا من الحديث عن السَّلام بقدر ما يحتاج إلى تحويله إلى ممارسة يوميَّة في التعليم والإعلام والثقافة والعلاقات بين الدول.. فالسَّلام الذي لا يجد طريقه إلى المناهج الدراسيَّة، ولا ينعكس في الخِطاب الثقافي، ولا يحضر في السياسات الدَّاعمة للفئات المتضررة من الأزمات، يظلُّ فكرةً معلَّقةً بين الواقع والمأمول.. أمَّا حين يتحول إلى معرفة يتعلمها الأطفال، وقِيمة تحميها المؤسَّسات، وممارسة تدعمها الدول، فإنَّه يصبح أكثر قدرةً على الصمود أمام الأزمات.

إنَّ الرسالة الأعمق التي تحملها عُمان إلى المُجتمع الدولي هي أن الطريق إلى السَّلام يبدأ من الإنسان، وأن حماية التراث تحفظ ذاكرة الشعوب، وأن تطوير التعليم يصون مستقبلها، وأن التعاون بين الأُمم يمنح هذه الجهود فرصًا أوسع للتأثير والاستمرار.. فحين نستثمر في الإنسان لا نبني حاضرًا أكثر وعيًا فحسب، بل نؤسِّس لمستقبلٍ تقلُّ فيه أسباب الصراع، وتتَّسع فيه مساحات التفاهم، وتصبح فيه كرامة الإنسان نقطة الالتقاء بين مختلف الشعوب.. وذلك هو السَّلام المستدام.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني