تمنح العقود التنمويَّة والاستثماريَّة التي وقَّعتها محافظة الداخليَّة، والمشروع السياحي والتجاري الذي وُضع حجر أساسه في ولاية مصيرة بمحافظة جنوب الشرقيَّة، مساحةً للنظر إلى دَوْر المحافظات في قيادة التنمية المحليَّة في ظلِّ اللامركزيَّة، وما يتيحه تمكينها من فرص لربط التخطيط باحتياجات السكَّان وموارد المكان. فالمحافظة، بما لديها من معرفة بواقع ولاياتها، تستطيع تحديد جوانب النقص في الخدمات، والتعرُّف على الأُصول القابلة للاستثمار، وتوجيه الجهود نحو مشروعات تتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي فيها. وتنبع أهميَّة هذا الدَّوْر من الجمع بين تحسين المَرافق العامَّة وتوسيع فرص العمل والاستثمار، ضمن أولويَّات تستجيب لواقع كل ولاية، وتتكامل مع التَّوَجُّهات الوطنيَّة؛ بما يجعل التنمية أقرب إلى الناس، ويمنح المؤسَّسات المحليَّة مسؤوليَّة واضحةً في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان ٢٠٤٠».
ولعلَّ تنوُّع المشروعات في محافظة الداخليَّة يوضح العلاقة بين الإنفاق على الخدمات وتهيئة البيئة الاقتصاديَّة. فالطُّرق التي تُصان وتُستكمل تخدم حركة السكَّان، وتُسهِّل وصول الزوَّار وانتقال السِّلع والخدمات، وتزيد قدرة المواقع المختلفة على استقطاب الأنشطة الاستثماريَّة. كما أن تطوير الحدائق والمرافق والمواقع التراثيَّة يتيح فرصًا للتشغيل وإقامة أعمال تستفيد من حركة مرتاديها؛ وهو ما يربط الإنفاق التنموي بعائد اقتصادي يمكن أن يتواصلَ بعد اكتمال التنفيذ. ويكتسب التَّوَجُّه نحو تنمية الإيرادات المحليَّة وتعظيم العائد من الأصول الحكوميَّة أهميَّته من قدرته على دعم استدامة الخدمات وحُسن إدارة الموارد، شريطة أن تراعيَ عقود الاستثمار جودة التشغيل، وإتاحة المَرافق للسكَّان، والمحافظة على وظائفها العامَّة، وأن تقومَ على تقدير واقعي للطلب وتكاليف الصيانة والعوائد المنتظرة.
ويُتيح اختلاف المُقوِّمات بين الولايات بناء فرص اقتصاديَّة متنوِّعة، تستفيد من المواقع التراثيَّة والبيئات الجبليَّة في الداخليَّة، ومن الخصائص الطبيعيَّة والثقافيَّة التي تتميَّز بها مصيرة. فتطوير وجهة تجمع الإقامة والتسوُّق والترفيه يمكن أن ينشِّطَ أعمالًا محليَّة في التوريد والنقل والخدمات والمنتجات الحِرفيَّة. وتزداد قِيمة تلك المشروعات حين تجد المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة والأُسر المنتِجة موقعًا واضحًا في أنشطتها، من خلال منافذ البيع وفرص التعاقد والعمل؛ بما يوسِّع دائرة المستفيدين من الاستثمار. ويحتاج تحقيق ذلك إلى إدماج المشاركة المحليَّة في التخطيط والتشغيل، وتوفير المتطلبات التي تساعد أصحاب الأعمال على الاستفادة من الفرص المتاحة. كما يُمثِّل الحفاظ على البيئة والهُوِيَّة المحليَّة عنصرًا مؤثِّرًا في استدامة النشاط السياحي؛ فالمُقوِّمات التي تجذب الاستثمار تستحق عناية تصون قِيمتها، وتَضْمن استمرار منفعتها للمُجتمع.
إنَّ نجاح اللامركزيَّة يرتبط بكفاءة المؤسَّسات التي تتولى إعداد المشروعات وإدارة العقود ومتابعة التنفيذ، وبقدرتها على تحويل الصلاحيَّات إلى نتائج يلمسها السكَّان في حياتهم وأعمالهم. حيث يُعَدُّ توقيع العقود ووضع حجر الأساس بدايةً لمسار يتطلب الالتزام بالبرامج الزمنيَّة، وضبط التكاليف، ومراقبة جودة الأعمال، ثم متابعة أداء المَرافق بعد تشغيلها. وتساعد مؤشِّراتٌ واضحةٌ للخدمات والإيرادات وفرص العمل ومشاركة المؤسَّسات المحليَّة على تقييم النتائج وتطوير القرارات اللاحقة، فيما يَضْمن التنسيق مع الجهات الوطنيَّة تكامل المسؤوليَّات في التراخيص والبنية الأساسيَّة والخدمات. ومن هذا المنطلق، تتقدم المحافظات بِدَوْرها التنموي حين تُحسن استثمار مواردها، وتوسِّع فرص سكَّانها، وتدير مشروعاتها بكفاءة؛ لِتصبحَ التنمية المحليَّة رافدًا مستمرًّا لتنويع الاقتصاد الوطني وتحسين جودة الحياة.