الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م - 2 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. وجاذبية الاستثمارات

فن الدبلوماسية .. وجاذبية الاستثمارات
الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 02:52 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

رُبَّ سائل يسأل لماذا والدنا ومولانا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه» زار جمهوريَّة بوتسوانا، وكذلك جمهوريَّة أنجولا؟ ولماذا لم يَزُر دولة ب أو أ؟ كما أنَّنا لا نعْلم ما هي الشركات الرصينة والكفؤة ـ على سبيل المثال ـ في روسيا؟ أو ما هي الشركات والمؤسَّسات الراغبة في الاستثمار بسلطنة عُمان في الدول الأجنبيَّة والعربيَّة؟ وما عدد رجال الأعمال في بريطانيا أو فرنسا الراغبين في التعاون والاستثمار في السلطنة؟ وهنا تؤدِّي بعثاتنا بالخارج دَوْر عين الصقر التي تفتش وتحلِّل وتعطي لنا الخلاصة عن ساحة عملهم، وكيفيَّة جذب الاستثمارات إلى السلطنة. البعض يقول بالإمكان استخدام الوسائل الحديثة في التكنولوجيا بالبحث عن الشركات وما تحتاجه السلطنة الحبيبة، ونحن معهم في هذا التَّوَجُّه والتطوُّر التكنولوجي في وسائل التواصل، ولكن علينا الحذر مع البيئة الرَّقميَّة وتوخِّي أقصى درجات الحذر واليقظة، في ظلِّ تنامي أنشطة شبكات الاحتيال الإلكتروني المنظَّم التي تعتمد أساليب متطوِّرة في الغش والتضليل من خلال إنشاء مواقع إلكترونيَّة وهميَّة، وانتحال صفات المؤسَّسات الماليَّة والتجاريَّة، واستغلال أسماء رجال أعمال وشخصيَّات اقتصاديَّة معروفة؛ بهدف كسب الثِّقة واستدراج المؤسَّسات إلى تعاملات ماليَّة وتجاريَّة مشبوهة.

وقد تتجاوز هذه الممارسات مجرَّد إنشاء مواقع وهميَّة، لِتصلَ إلى تأسيس شركات صوريَّة، أو الادعاء بإنشاء بنوك برؤوس أموال ضخمة تقدَّر بالملايين بما يوحي المصداقيَّة، ويضفي على هذه الكيانات مظهرًا مؤسَّسيًّا احترافيًّا يخفي وراءه أنشطة احتياليَّة.

لذلك تبقى البعثات الخارجيَّة وكادرها الكفؤة هي عين الصقر وليس عين النسر؛ لأنَّ عين الصقر هي الأفضل إذا كان الصَّيد يتطلب سرعة استجابة خاطفة، أي بمعنى أن البعثة الخارجيَّة بمختلف درجاتها عليهم تدقيق ساحة عملهم، والعمل بكفاءة عالية لمعرفة وجذب الاستثمارات إلى السلطنة من خلال إقامة المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات الشخصيَّة الرسميَّة. فعلى سبيل المثال، سفارتنا بالعراق بذلت جهودًا حثيثةً قي تطبيق الهندسة الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة وجذب الاستثمارات من خلال تشغيل مطار كربلاء والحريَّة الخامسة للطيران العُماني وطيران السَّلام، بالإضافة إلى هناك مشاريع جوهريَّة في قِطاعات أخرى لا مجال لذكرها، وبذلك طبّقت ونفّذت رؤية مولانا جلالة السُّلطان في الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة مع احترامي وتقديري العالي لعددٍ كبير من سفاراتنا بالخارج والتي تعمل بشكلٍ دؤوب لغرض جذب الاستثمارات إلى السلطنة، ولكن لا يتَّسع المقال لذكر جهودهم بذلك.

تتفاخر الكليَّات والجامعات البريطانيَّة وبعض الدول المتقدِّمة بدمج هندسة العلاقات الدوليَّة بالدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة والدبلوماسيَّة الشَّعبيَّة، والتي تُشكِّل ما يُسمَّى برفاهيَّة المواطن وازدهار البلد؛ لأنَّ مفاهيم العلاقات العامَّة التي تنقسم إلى العلاقات الخارجيَّة والعلاقات الداخليَّة تعتمد الآن كثيرًا على الهندسة الدبلوماسيَّة، وسِمات القيادة الرَّشيقة بعيدًا عن الإدارة الكلاسيكيَّة المعتادة؛ لأنَّ وسائل وأجندة الحياة الآن تختلف كليًّا عمَّا كان عليه.

مثلَّث الأعمار والبناء الذي طبَّقته المملكة المُتَّحدة بعد الحرب العالميَّة الثانية لبناء العاصمة لندن وبقيَّة المُدن كان يعتمد كثيرًا على (الكفاءة، القيادة، الإدارة الحديثة)، وأضافت الملكة إليزابيث بعد تولِّيها العرش على المثلَّث السابق مثلَّثًا آخر وهو (المهارات الدبلوماسيَّة، مفاهيم البروتوكول، مفاهيم الإتيكيت الاجتماعي والحكومي) لِتنهضَ بريطانيا بشكل سريع ومتسارع وتصبح منار للسياحة، والتقدُّم من خلال جذب الاستثمارات الخارجيَّة إلى داخل بريطانيا، وكذلك تطبيق الاستثمار الخارجي الذي تطبِّقه دولة قطر الشقيقة والتي تحوَّلت من دولة مستهلِكة إلى منتِجة، ثم مصدِّرة، حيث ترى أغلب المنتجات في الأسواق المحليَّة (صنع في دولة قطر) حيث الاستثمارات الخارجيَّة التي تدرُّ على البلد ملايين العملات الصعبة التي تدعم الصندوق السيادي، وهذا بفضل العقليَّة والمبادئ الكفؤة ومركزيَّة القرار في تنفيذ مبادئ ونظريَّات الهندسة الدبلوماسيَّة والدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة.

الدبلوماسيَّة بحرٌ زاخرٌ بالمفردات الإيجابيَّة والسلبيَّة؛ تتلاطم فيه الأمواج تارةً، وتهدأ تارةً أخرى، ويتعاقب عليه المدُّ والجزر. وقد تعصف به الأعاصير فتُدمِّر بلدانًا، أو تسكن أمواجه فتغدو ملاذًا للهدوء والاسترخاء. وتبقى هذه المتغيِّرات كلُّها رهينةَ القبطان الذي يقود السفينة وسط هذا المشهد المتقلِّب؛ إذ يتطلَّب ذلك حنكةً، وخبرةً متراكمةً، ورؤيةً سديدةً ثاقبةً، ومهارةً في التخطيط العلمي القائم على أهداف الازدهار والتنمية. ويأتي في مقدِّمة هذه الأهداف تنميةُ الموارد البشريَّة، إلى جانب تطوير مختلف مجالات الحياة، وصولًا إلى رفاهيَّة المواطن وسعادته، ومن ثمَّ ازدهار الوطن.

المُحلِّل الدبلوماسي والمُراقِب للشارع العُماني، سواء من الداخل أو الخارج يلمس بكل بساطة التغييرات الإيجابيَّة الهائلة التي حصلت في ظلِّ حكم والدنا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه» في جميع المجالات ومنذ تسلُّمه مقاليد الحُكم عام (2020) ومنها جذب الاستثمارات الخارجيَّة ومعالجة الدَّيْن العام، والتحوُّل إلى عجلة التطوُّر والازدهار والاستقرار.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت