الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م - 2 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : ماذا يجري فـي القرن الإفريقي؟

في الحدث : ماذا يجري فـي القرن الإفريقي؟
الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 02:50 م

طارق أشقر

يشير مصطلح «القرن الإفريقي»، حسب الجغرافيين، إلى الجزء الشرقي من القارَّة الإفريقيَّة الممتد نحو المحيط الهندي، والمطل على خليج عدن والبحر الأحمر، فيما يُستخدم المصطلح بمعناه الجغرافي الضيِّق للإشارة إلى إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال.

ولكن تتوسع بعض التعريفات السياسيَّة والإقليميَّة لِتضيفَ إلى مصطلح القرن الإفريقي، سياسيًّا وليس جغرافيًّا، دولًا أخرى، مثل السودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا، خصوصًا عند تناول الاسم ضمن قضايا الأمن والتجارة والهجرة والصراعات الإقليميَّة.

كما تكتسب منطقة القرن أهميَّة استراتيجيَّة من موقعها المشرِف على ممرَّات بحريَّة تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، فضلًا عن تداخل أزماتها الداخليَّة مع المصالح الإقليميَّة والدوليَّة.

وفي قلب هذه المنطقة تقع إثيوبيا، التي تُعَدُّ واحدة من أكثر دول إفريقيا تنوعًا من الناحية القوميَّة والإثنيَّة، حيث يُشكِّل فيها «الأورومو» و»الأمهرا» و»التيجراي» و»الإثنيَّة الصوماليَّة» أبرز المُكوِّنات السكَّانيَّة، إلى جانب قوميَّات ومجموعات أخرى، مثل «العفر» و»السيداما» و»الولايتا» و»الجوراجي» و»البني شنقول» و»القوموز»، وغيرها من مُكوِّنات التركيبة السكَّانيَّة الإثيوبيَّة.

وقد انعكس هذا التنوُّع على طبيعة الدَّولة الإثيوبيَّة الحديثة، التي تقوم على نظام اتِّحادي يمنح الأقاليم والقوميَّات مساحة واسعة من الإدارة والحكم المحلِّي، لكنَّه جعل أيضًا العلاقة بين الحكومة المركزيَّة والأقاليم أحد محاور التوتُّر السياسي.

وقد ازدادت الصورة تعقيدًا في منطقة القرن الإفريقي مع ظهور تحالف مسلَّح جديد في إثيوبيا، أُعلن في سبتمبر (2026)، وجمع سبع حركات وتنظيمات معارضة للحكومة الفيدراليَّة. ويضم التحالف حركة «أمهرا فانو الوطنيَّة» و»جبهة تحرير شعب تيجراي» و»جيش تحرير أورومو» و»جبهة تحرير أوجادين الوطنيَّة» و»جبهة الوحدة الديمقراطيَّة الثوريَّة للعفر» و»حركة تحرير شعوب بني شنقول» و»حركة جوموز الديمقراطيَّة الشَّعبيَّة».

ومن المُهمِّ هنا التمييز بين هذه التنظيمات وبين القوميَّات التي ترتبط بها جغرافيًّا أو سياسيًّا؛ إذ إن التحالف لا يُمثِّل بالضرورة جميع أفراد الإثنيَّة التي ينتمي إليها، في حين تختلف هذه الحركات في أهدافها وتاريخها وطبيعة صراعاتها مع الحكومة المركزيَّة؛ ولذلك فإن اجتماعها في إطار واحد لا يعني أنها أصبحت قوَّة عسكريَّة أو سياسيَّة متجانسة.

وقد برزت هذه التحالفات بعد سنوات من الصراعات الداخليَّة، أبرزها الحرب في إقليم تيجراي، إلى جانب استمرار المواجهات في أجزاء من أوروميا وأمهرا، في حين تظلُّ علاقة إثيوبيا بإريتريا من العوامل المؤثِّرة في المعادلة.

وتتداخل ملفات الأزمة الإثيوبيَّة الحاليَّة مع أزمات أخرى بالمنطقة، ولا سِيَّما الحرب في السودان، والتوتُّرات في البحر الأحمر، وأمن الملاحة الدوليَّة، والتنافس على الموانئ والممرَّات التجاريَّة، وذلك في وقت ظلت فيه إثيوبيا تسعى إلى الحصول على منْفذ بحري بعد أن أصبحت دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عنها عام (1993). لذلك، فإن أيَّ تصعيد كبير داخل إثيوبيا لن يبقى بالضرورة شأنًا إثيوبيًّا خالصًا، بل يمكن أن تكونَ له انعكاسات على دول الجوار وحركة التجارة والأمن الإقليمي.

ويصعب فصل التطوُّرات الجارية في إثيوبيا عن التحوُّلات الأوسع في القرن الإفريقي؛ إذ إن التعدُّد القومي، وتنافس المركز والأقاليم، وتراكم النزاعات المحليَّة، تتقاطع مع حسابات الدول المجاورة ومصالحها الأمنيَّة والاقتصاديَّة.

وفيما يظلُّ مستقبل إثيوبيا عاملًا رئيسًا في تحديد اتِّجاه استقرار منطقة القرن الإفريقي؛ بسبب ثقلها السياسي والديموغرافي وتشابك علاقاتها مع دول جوارها، فإن تشكيل التحالف الأخير بين سبع حركات وفصائل مضادَّة للحكومة المركزيَّة يُمثِّل تطورًا يستحق المتابعة، دون أن يعنيَ بالضرورة أن هذه القوى أصبحت متجانسة أو متَّفقة على رؤية واحدة لمستقبل البلاد.

وبذلك، فإن التطوُّرات المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة الإثيوبيَّة والقوى المعارضة لها على احتواء الخلافات عبر المسار السياسي، وعلى قدرة دول المنطقة على منع انتقال الصراعات الداخليَّة إلى محيطها الإقليمي.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن »