الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 م - 17 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : سلطنة عمان ودبلوماسية السلام

أضواء كاشفة : سلطنة عمان ودبلوماسية السلام
الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 02:55 م

ناصر بن سالم اليحمدي

في الوقت الذي تتعالى أصوات المدافع وتزداد ارتفاعًا في العديد من بقاع العالم، اختارت عُمان أن ترفعَ صوتًا آخر هو صوت الحوار؛ ففي قاعة الأُمم المُتَّحدة حيث تتجاور الدول الكبرى والصغرى لم تكن مسقط بحاجة إلى خِطاب صاخب لِتعلنَ موقفها؛ فقد اختارت أن تتحدثَ باللُّغة التي تعرف بها دبلوماسيَّتها منذ عقود، والقائمة على الحوار وضبط النفس واحترام السيادة والبحث عن التسويات التي تحفظ للجميع مصالحهم وكرامتهم.

للأسف، في زماننا أصبحت لُغة القوَّة أعلى من صوت الحكمة، وتحوَّلت الخلافات الصغيرة إلى أزمات كبيرة، وأصبح التَّمسُّك بالحوار موقفًا يحتاج إلى شجاعة وليس مجرَّد عبارة دبلوماسيَّة تُقال في المحافل الدوليَّة. ومن يقرأ الموقف العُماني الذي عبَّرت عنه سلطنة عُمان أمام الجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة في دورتها الحادية والثمانين، نجد أن الكلمة التي ألقاها معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة، لم تأتِ منفصلة عن سياق السياسة العُمانيَّة، وإنَّما كانت امتدادًا لنهجٍ أراه أكثر وضوحًا كلَّما ازدادت المنطقة اضطرابًا.

قد يبدو في عالم السياسة أن الدَّولة القويَّة هي التي تستطيع أن تفرضَ شروطها أو تحشدَ حولها أكبر عدد من الحلفاء أو تمتلكَ من أدوات القوَّة ما يجعل الآخرين مضطرِّين إلى الإصغاء إليها؛ لكن هناك قوَّة أخرى أقل صخبًا وأكثر هدوءًا: أن تكونَ الدَّولة قادرة على الحديث مع المختلفين معها، وأن تحافظَ على مساحة تسمح بالاتصال عندما تنقطع الاتصالات، وأن تجعلَ من الحوار وسيلةً للوصول إلى الحلِّ بدل أن يكونَ مجرَّد غطاء لتأجيل المُشْكلة. وهذه هي الصورة التي أراها في النهج العُماني؛ فعندما تُؤكِّد مسقط على الحوار فهي لا تتحدث عن الحوار باعتباره قِيمة أخلاقيَّة فحسب، وإنَّما باعتباره أداةً سياسيَّة يمكن أن تمنعَ الحرب وتُعيدَ بناء الثِّقة وتفتحَ الطريق أمام التسويات. وهذا ما يجعل الموقف العُماني مختلفًا في نظر كثير من المراقبين؛ لأنَّ الدَّولة التي تريد أن تكونَ طرفًا في كلِّ صراع، قد تكسب نفوذًا لحظيًّا، لكنَّها قد تخسر قدرتها على الحديث مع الأطراف المختلفة. أمَّا الدَّولة التي تحافظ على أبوابها مفتوحةً فإنَّها تترك لنفسها مساحة للحركة عندما تضيق الخيارات.

لا شك أنَّ ما يلفت النظر في التجربة العُمانيَّة أنَّ مسقط لا تبدو منشغلة بإثبات حضورها عبر الدخول في كلِّ صراع أو منافسة الآخرين على النفوذ؛ فهناك فَرق كبير بين أن تبحثَ الدَّولة عن دَوْر، وأن يأتيَها الدَّوْر؛ لأنَّ الآخرين يثقون في قدرتها على التواصل. والوساطة في رأيي لا تنجح لمجرَّد أنَّ الدَّولة أعلنت استعدادها لها؛ لأنَّ الوساطة تحتاج إلى قدر من الثِّقة التي لا تبنى في يوم واحد، بل عبر سنوات من المواقف المتَّسقة. ولهذا فإنَّ قِيمة الدبلوماسيَّة العُمانيَّة لا تكمن فقط في الوساطات التي يعرفها النَّاس، وإنَّما في الرصيد الذي جعل عُمان قادرةً على التواصل مع أطراف مُتعدِّدة في الوقت نفسه. وهذا أمر بالغ الأهميَّة في منطقة تعاني منذ عقود من الاستقطاب.

إنَّ الدَّولة التي تكون حريصةً على الحوار لا يعني أن تكونَ بلا موقف؛ فعُمان في خِطابها الأخير لم تتخلَّ عن مواقفها؛ فنراها تحدَّثت عن احترام سيادة الدول والامتناع عن استخدام القوَّة والالتزام بالقانون الدولي، ودعت إلى حلٍّ سياسي للأزمة اليمنيَّة، وأكَّدت موقفها تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، كما جدَّدت دعوتها إلى التهدئة والحوار في ظل التوتُّرات التي أثَّرت في أمن المنطقة والملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز. وهنا تكمن نقطة جوهريَّة، وهي أنَّه رُبَّما يكون أصعب أنواع المواقف أن تقولَ ما تؤمن به وفي الوقت نفسه تترك باب التفاهم مفتوحًا مع مَن يختلف معك. ولعلَّ الحديث العُماني عن مضيق هرمز يقدِّم مثالًا واضحًا على هذه الرؤية؛ فالمضيق ليس مجرَّد ممرٍّ مائي بالنسبة إلى المنطقة، ولكنَّه جزء من شبكة التجارة والطاقة العالميَّة، وأي اضطراب فيه لا يتوقف أثَره عند الدول المطلَّة عليه. ومن هنا فإنَّ الدَّعوة العُمانيَّة إلى حماية الملاحة لا تنطلق من رغبة في تسجيل موقف سياسي فحسب، وإنَّما من إدراك لحقيقة بسيطة، هي أنَّه حين تتعطل طُرق التجارة يدفع العالم كلُّه الثَّمَن.

إنَّ الدبلوماسيَّة العُمانيَّة ليست في حاجة دائمة إلى الإعلان عن نفسها؛ إذ من الممكن أن تكونَ الدبلوماسيَّة الأكثر فاعليَّة هي التي تجري بعيدًا عن الأضواء؛ فالاجتماعات والاتصالات والرسائل والوساطات قد لا تظهر كلُّها للناس، لكن أثَرها يظهر عندما تفتح نافذة للحوار بعد أن ظنَّ الجميع أنَّ الأبواب أُغلقت.

والأجمل في الرؤية العُمانيَّة أنَّها لا تفصل السَّلام عن التنمية؛ فهي تَعدُّ أنَّ الاستقرار ليس غاية سياسيَّة فقط وإنَّما شرط للتنمية. ولا يمكن لاقتصاد أن يزدهرَ في منطقة مضطربة، ولا يمكن لمشروع تنموي أن يعيشَ طويلًا في بيئة تتقدم فيها لُغة الحرب على لُغة التعاون. ولهذا جاء الرَّبط بين السَّلام والتنمية حاضرًا في الموقف العُماني أمام الأُمم المُتَّحدة.

إنَّ قِيمة الدَّولة لا تكون في قدرتها على أن تكونَ الأعلى صوتًا، وإنَّما في قدرتها على أن تُسمعَ صوتها عندما تعلو الأصوات. وهذا ما يميِّز عُمان؛ يكفيها أن تقولَ إنَّ الحوار أفضل من الحرب، وإنَّ التفاهم أكثر دوامًا من التصعيد، وإنَّ احترام سيادة الدول والقانون الدولي ليس ترفًا دبلوماسيًّا، وإنَّ أمن المنطقة لا يمكن أن يتحققَ إذا بقيت كل دولة تنظر إلى أمنها بمعزل عن أمن جيرانها.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني