الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 م - 17 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : حوادث الغرق: فواجع مؤلمة تزهق أرواح الأطفال والشباب

في العمق : حوادث الغرق: فواجع مؤلمة تزهق أرواح الأطفال والشباب
الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

رغم أنَّ حوادث الغرق قد تبدو قليلة في عددها مقارنةً بحوادث السَّير، إلَّا أنَّ هول الفاجعة وعِظم المصيبة يظلُّ أشدَّ وقعًا عندما يكون ضحيَّتَها طفلٌ أو شابٌّ في عمر الزهور وسنِّ الفتوَّة والشَّغف؛ إذ لا تتوقف آثارها عند فقدان حياة إنسان، بل تمتدُّ إلى الأُسرة والمُجتمع، وتترك جرحًا عميقًا وصدمة كبيرة يصعب تجاوز تداعياتها أو التعامل الفوري مع تأثيراتها، وتزداد خطورة هذه الحوادث في ظلِّ تعدُّد البيئات والمواقع التي يمكن أن تقع فيها، سواء الشواطئ والأودية والسُّدود والبِرَك الزراعيَّة والآبار المكشوفة والمفتوحة، والأحواض والتجمُّعات المائيَّة والأفلاج والعيون، والأخوار المائيَّة التي تُشكِّل وجهة سياحيَّة ولكنَّها باتت تقنص في داخلها أرواحًا بريئة، لِتزدادَ صعوبة الأمر مع وجود البِرَك المائيَّة المكشوفة والخيران ومجاري الأودية وارتفاع منسوبها والاقتراب من هذه المجاري في أثناء هطول الأمطار، وما يتشكل بعدها من تجمُّعات مائيَّة في المنخفضات والمواقع المختلفة.

ولعلَّ تعدُّد هذه المواقع واتِّساع نطاقها يجعل التعامل مع حوادث الغرق قضيَّة معقَّدة، تتداخل فيها الأحداث والأسباب والمُسبِّبات دون وجود تفسير موحَّد في ملابسات القضيَّة إلَّا أن نصلَ إلى حقيقة واحدة وهي ـ قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد ـ لِتتجاوزَ المسألة مفهوم الاستجابة للحادث بعد وقوعه، إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية والاستباقيَّة، تقوم على فَهْم الأسباب والممارسات التي تهيئ لوقوع هذه الحوادث، ورفع مستوى الوعي الفردي والمُجتمعي بمخاطرها، وتعزيز قدرة الإنسان على التعامل الآمن مع البيئات المائيَّة المختلفة.

وعليه، فإنَّ الوقوف على أسباب هذه الحوادث بات أمرًا مهمًّا، واتِّخاذ التدابير الوقائيَّة ضرورة وطنيَّة، تضع المواطن والمقيم والمؤسَّسات المعنيَّة أمام مراجعات مستمرَّة للممارسات الفرديَّة والمُجتمعيَّة التي قد تُشكِّل مبررًا لوقوع الغرق. ومن بين أبرز هذه الأسباب تدنِّي مستوى الوعي بضوابط وإجراءات الأمن والسَّلامة، وضعف المعرفة بالتدابير الوقائيَّة والاحترازات اللازمة عند التعامل مع المواقع المائيَّة، ومدى وضوح البيانات ودقَّتها حول هذا الموقع المائي من حيث عمقُه واتِّساعه وخطورته ومدى وجود تيَّارات قويَّة ومدى الاستجابة السَّريعة في التعامل مع الحالات الفرديَّة من قِبل جهات الاختصاص، إلى جانب مدى الأمان الناتج عن ممارسة السباحة في هذه المواقع.

كما أنَّ جانبًا من الخطورة يرتبط بعدم امتلاك بعض الأشخاص للمعرفة والمهارات الأساسيَّة في السباحة والإنقاذ، الأمر الذي قد يَحُول محاولة إنقاذ الغريق إلى سبب في زيادة عدد الضحايا، عندما يتمُّ الاندفاع بصورة عشوائيَّة نحو الماء دون امتلاك المهارة أو الوسيلة المناسبة. ويضاف إلى ذلك التَّساهل في مراقبة الأطفال أو الشَّباب ذاتهم في أثناء الرحلات البحريَّة والشاطئيَّة، أو خلال التنزُّه بالقرب من الأودية والبِرَك والأحواض والمسطحات المائيَّة التي قد تحمل مخاطر غير مدركة في ظاهرها.

وهنا تتأكد الحاجة إلى بناء ثقافة مُجتمعيَّة جديدة تتعامل مع الأمن والسَّلامة باعتبارهما جزءًا من السُّلوك اليومي، وليست مجرَّد تعليمات وقتيَّة تُستحضر عند وقوع الحوادث، أو في وقت الحالات الطارئة، فقد يكون الانتباه لهذا الأمر حاضرًا في حينه، بينما يتبدَّد هذا الوعي كلَّما مرَّ على هذه الحالات وقت أطول. ولعلَّ ما يظهر من حالات الغرق أقرب إلى الأخيرة منها، لذلك فالمطلوب أن يصبحَ الفرد والمُجتمع أكثر وعيًا بالمخاطر المائيَّة المحيطة به، وأكثر قدرة على تقدير الموقف واتِّخاذ القرار المناسِب قَبل الإقدام على ممارسة قد تعرِّض حياته أو حياة الآخرين للخطر.

ومن هذا المنطلق، تأتي إشارتنا إلى التعليم كأحَد معزِّزات هذا الوعي لِمَا يمكن أن يُمثِّلَه من مدخل رئيس في بناء الوعي وتشكيله، وتعزيز ثقافة السباحة في المُجتمع والارتقاء بها وتعظيم حضورها في حياة الأُسرة، والتي يمكن من خلالها تأسيس هذه الثقافة بصورة مبكرة، عبر إعداد الطلبة للتعامل مع قضايا الأمن والسَّلامة الشخصيَّة والعامَّة، المتعلقة بالسباحة خصوصًا وتعريضهم لمواقف محاكاة عمليَّة تعكس طبيعة الحوادث التي يمكن أن يواجهوها في واقعهم. فتعلُّم قواعد السَّلامة لا يجب أن يبقى في حدود المعرفة النظريَّة، بل يحتاج إلى مؤطِّرات وبرامج تدريبيَّة وممارسات عمليَّة وتطبيقات تنزل إلى الميدان، بما يكسب المتعلم القِيَم والمهارات والممكنات التي تساعده على التَّعامل مع الظروف والمتغيِّرات ذات العلاقة بثبات ووعي ومسؤوليَّة.

من هنا فإنَّ إدماج مفاهيم الأمن والسَّلامة عامَّة في البيئة التعليميَّة يمكن أن يحوِّلَ مؤسَّسات التعليم إلى فضاء منتِج للوعي الوقائي، لا يقتصر على تعليم الطالب المعرفة، بل يؤهِّله للتَّعامل مع المخاطر التي قد تواجهه داخل بيئات التعلم وخارجها. ومن هنا تأتي أهميَّة تبسيط تعليم قواعد السَّلامة، وتقديمها بأساليب عمليَّة تعتمد على المحاكاة والتطبيق، وتتناول الغرق والتعامل مع المواقع المائيَّة وغيرها من المخاطر التي قد تمسُّ سلامة الأطفال والشَّباب.

وفي المقابل، ندرك حتمًا ـ كما أشرنا سلفًا ـ بأنَّ حوادث الغرق معقَّدة وتتطلب تكامل الجهود نحوها، ومسؤوليَّة صناعة الوعي وبناء جسور الوقاية وسدود الحماية الداخليَّة وتحصينها في حياة الفرد تتطلب تكاملًا مؤسَّسيًّا ومُجتمعيًّا أوسع، خصوصًا في ظلِّ ما تتمتع به سلطنة عُمان من مُقوِّمات بحريَّة ومائيَّة مُتعدِّدة، وما تزخر به من شواطئ ممتدَّة وأودية وأفلاج وعيون وسدود وبِرَك ومواقع سياحيَّة مائيَّة وجبليَّة، وهي بيئات يرتادها المواطنون والمقيمون والسيَّاح بشكلٍ مستمرٍّ، وهذا التنوُّع يجعل تعزيز اشتراطات الأمن والسَّلامة وحضورها في هذه المواقع مسؤوليَّة مشتركة بين الجهات المختصَّة والمُجتمع والقِطاع السياحي والأفراد، مثمِّنين لهيثة الدِّفاع المَدني والإسعاف جهودها النوعيَّة في هذا الجانب وما تقوم به من أدوار توعويَّة وتثقيفيَّة مستمرَّة.

ومع ذلك فإنَّ كلَّ المؤشِّرات في التعامل مع المواقع المائيَّة مع مختلف أنواعها ومستوياتها تؤسِّس اليوم لأهميَّة وجود إطار وطني واضح في بناء منظومة إجراءات الأمان والسَّلامة في المواقع المائيَّة والبحريَّة، من خلال توفير السياجات المناسبة في المواقع الخطرة، ووضع التعليمات الإرشاديَّة والتحذيريَّة بصورة واضحة، والتعريف بالمتطلبات الوقائيَّة التي ينبغي أن تتوافرَ لدى مرتادي هذه المواقع، واستخدام وسائل مُتعدِّدة ومبتكرة في التوعية بما يلفت الانتباه، ويُعزِّز الحذر قَبل ممارسة النشاط أو الاقتراب من المواقع ذات الخطورة.

كما يمكن تعزيز الجاهزيَّة الميدانيَّة من خلال وجود فِرق متنقلة للتوعية والتدريب والمسانَدة في المواقع المائيَّة خلال الفترات التي تشهد إقبالًا متزايدًا، كالإجازات الأسبوعيَّة والمواسم السياحيَّة وفترة الصَّيف، أو اشتراط دخول هذه المواقع بناء على تنسيق مسبق مع الجهات المختصَّة لِتُشكِّلَ داعمًا للأمان والسَّلامة والحفاظ على الأرواح، وبما يُسهم في نشرِ أساسيَّات السباحة، باعتبارها مهارة حياتيَّة، تبدأ مع الأطفال منذ سنوات التعليم الأولى كنشاط يمارس في بيئات التعليم يشرف عليه متخصِّصون وفق أُسُس صحيحة، والتعريف بالمخاطر المتوقَّعة، وتقديم الإرشاد حول أساليب التصرف السَّليم في الحالات الطارئة، إلى جانب تعزيز قدرات المُجتمع في التعامل الأوَّلي مع حالات الغرق.

على أنَّ الوقاية من حوادث الغرق ـ كما أشرنا ـ ليست مسؤوليَّة جهة واحدة، ولا يمكن اختزالها في عمليَّات الإنقاذ بعد وقوع الحادث؛ فهي منظومة تبدأ من الأُسرة، وتمتدُّ إلى المدرسة، والإعلام، والمؤسَّسات السياحيَّة، والجهات التنظيميَّة والأمنيَّة، والمُجتمع بمختلف فئاته. وكلَّما نجحت هذه المنظومة في الانتقال من ردِّ الفعل إلى الاستباقيَّة، ومن التعامل مع الحادث إلى منعِ أسبابه، أصبحت أكثر قدرةً على حماية الأرواح وتقليل الخسائر.

وعليه، فإنَّ الوصول إلى وعي مُجتمعي مسؤول بمعايير الأمن والسَّلامة بالمواقع المائيَّة وكيفيَّة التَّعامل معها وبناء ثقافة السباحة في المُجتمع كمسار وطني، وتحويلها إلى نهج حياة وممارسة ذاتيَّة، مرهون بالموقع الذي تحتلُّه هذه القضيَّة لدى متَّخذي القرار ومستوى حضورها في التشريعات والسياسات التنمويَّة والخطط والبرامج التعليميَّة والإعلاميَّة، وفي فلسفة بناء الإنسان وتكوين المُجتمع. ولعلَّ ما يشهده واقعنا الاجتماعي بصورة متكررة من حوادث الغرق المؤلمة والتي كان ضحيَّتها أطفال وشباب في عمر الزهور يُمثِّل محطَّة تستحقُّ التوقُّف والمراجعة، ليس من أجلِ استحضار الألم الذي بات يعتصر حياة العديد من الأُسر بفقدان أبنائها وفلذات أكبادها، بل لتحويلِه إلى فرصة لإعادة بناء منظومة الوقاية.

أخيرًا، وعودًا على بدء، وأنا أسطِّر حروف هذا المقال وكلماته، وما يعتصرني فيه من ألَمٍ وحزن وحسرة وضِيق، وفجيعة وغصَّة: محزونون، مفجوعون، موجوعون، مكلومون بفقد الشَّاب الخلوق الطموح، الأوس بن حمد الذي انتقل إلى جوار ربه ـ عزَّ وجلَّ ـ في السادس والعشرين من سبتمبر لعام (2026) إثر حادث غرق في أحد أخوار ولاية صور، نسأل الله العظيم أن يتغمدَه بواسع رحمته، وأن يسكنَه فسيح جنَّاته، وأن يجعلَه شفيعًا لوالديه، وأن يلهمَهما الأجر والصبر والسلوان، وأن يربطَ على قلبَيْهما، ويجبرَ مَصابهما، ويعظِّمَ أجرهما في هذا الفقد الأليم... إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]