تطرَّقنا بالمقال السَّابق إلى بعض مفاهيم ودلالات المصافحة وما تحمل من رسائل إيجابيَّة أو بالعكس، سواء بالمناسبات الاجتماعيَّة أو الرسميَّة. ومقالنا اليوم نكمل أشكال ومعاني المصافحة، وخصوصًا ما تضمَّن بالمدرسة الدبلوماسيَّة النبويَّة الشريفة بهذا الخصوص.
وفي آداب المصافحة ولُغة الجسد، أكَّدت السِّيرة النبويَّة بعدم انحناء الرأس أثناء المصافحة؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبلُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَأْخُذ بيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. أخرجه الترمذي وابن ماجه. وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ما من عبدين متحابين في الله، يستقبل أحَدهما صاحبه فيصافحه، ويصلِّيان على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، إلَّا لم يفترقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدَّم منها، وما تأخر.
فالمصافحة بأطراف الأصابع وذلك يكون بالتردد في مبادلة الشخص الآخر الودَّ والحُب، وهذا يدلُّ على التحفظ أو التعالي والتكبر على الآخرين مع عدم الرغبة في التقرب إليهم، أو دخول الآخرين إلى منطقته الشخصيَّة أو اكتشاف ذاته.
المصافحة عن طريق عصر اليد بشدَّة وقد يُسمَّى هذا النَّوع من المصافحة بأنَّه (مصافحة عدوانيَّة) حيث يقوم الشخص بعصر يد أو أصابع المصافح الآخر بصورة تدلُّ على الكراهية أو العدوانيَّة، وهذا النَّوع يُعَدُّ من أسوأ أشكال المصافحة.
المصافحة باليد الباردة أو كما يُطلق عليه علماء النفْس (السمكة الميتة)؛ وهذا النَّوع من المصافحة لا تجد فيه حرارة أو دلالة على صدق الأحاسيس، بل غالبًا ما يدلُّ على عدم الرضا واللامبالاة أو السلبيَّة وعدم الاهتمام بالآخرين.
المصافحة باليد العُليا وهي تكون عن طريق جعل راحة اليد لأسفل؛ وبالتَّالي تكون يد المصافح في الأسفل، وهذا يدلُّ على السيطرة والقوَّة والاستهانة بالطرف الآخر. المصافحة باليد السفلى وتكون فيها راحة اليد لأعلى؛ وبالتَّالي تكون يد الطرف الآخر هي الأعلى، وهذا النَّوع من المصافحة باليد يدلُّ على الخضوع والاستسلام للآخرين وضعف الشخصيَّة وعدم الرغبة في التعبير عن الرأي أو إظهار المشاعر. المصافحة باليد المعتدلة، وهذا هو النَّوع المعتدل من المصافحة الذي تكون فيه اليد مستقيمة بوضع عمودي على حافتها ويكون الإبهام مرتفعًا لأعلى، وهذا النَّوع يدلُّ على التكافؤ والانسجام والحُب المتبادل بين الطرفين.
لذلك نتناول فيما يلي الطريقة السليمة لمصافحة الآخرين والتي يركِّز عليها فنُّ الدبلوماسيَّة وتُعَدُّ من أعمدة وأولويَّات الحياة اليوميَّة: يجب أن تكونَ الأيدي نظيفة وخالية من الأغراض كالمفاتيح أو الأقلام أو غير ذلك. يجب أن تكونَ المصافحة باليد بكامل أجزائها وليس بطرفها أو بقبضتها أو مجرَّد ملامسة يد الطرف الآخر فقط؛ وذلك حتى تنتقلَ أحاسيس الودِّ بصِدق وإخلاص. قَبل أن تمدَّ يدك لمصافحة الآخرين انتظر حتى تتوجهَ نظراتهم إليك أولًا؛ حتى لا تشعرَ أنت أو مصافحك بالحرج من انتظار الالتفات والانتباه. كن حريصًا عند سحبِ يدك من المصافحة، فلا تتعجل بسحبها حتى تجدَ رغبة عند الطرف الآخر بإنهاء المصافحة، وكذلك ليس من اللائق سحبها بعنف بعد المصافحة. احرص على النظر في وجهِ مصافحك وعينيه، واحذر النظر إلى شخص أو مكان آخر؛ حتى لا يشعرَ بعدم اهتمامك به أو برودة مشاعرك. كُن رقيقًا عند المصافحة باليد مع الآخرين؛ فلا تحاول صفق يده بقوَّة أو هزّ الأيدي بعنف أو تحريكها يمينًا ويسارًا. لا تحاول مصافحة الآخرين أثناء تناول الطعام أو الحديث في الهاتف النقَّال. لا تضع يدك الأخرى في جيبك أثناء مصافحة الآخرين. الابتسامة الخفيفة بدون تكلُّف أو مبالغة دليل على المشاعر والأحاسيس الصَّادقة. احرص على استخدام الأُسلوب المناسِب للمصافحة حسب الشخص الذي تصافحه؛ فطريقة مصافحة الأطفال تختلف عن طريقة مصافحة الكبار في السِّن أو رؤساء العمل والتي تختلف بِدَوْرها عن أُسلوب مصافحة الأقران والأنداد. وأخيرًا يجب أن تعلمَ أن المصافحة باليد تعبِّر بصورة أو بأخرى عن شخصيَّة الإنسان وحالته النفسيَّة؛ لذلك فهو (من خلال المصافحة باليد) يبعث رسائل إيجابيَّة للتواصل مع الآخرين وقد تكون رسائل سلبيَّة تدلُّ على ضعف الشخصيَّة أو اللامبالاة أو غير ذلك من المشاعر السلبيَّة تجاه الآخرين كما أوضحنا سابقًا. وجدير بالذِّكر أن المصافحة باليد هي لُغة من لُغات الجسد التي تُعبِّر عن نسبة كبيرة من التواصل مع الآخرين تُمثِّل حوالي (55%) من لُغات التواصل بصفة عامَّة، وكذلك المشاعر التي تحملها المصافحة باليد، وأخيرًا أهم الآداب الواجب مراعاتها لِتكونَ المصافحة باليد معبِّرةً عن صِدق المشاعر والأحاسيس.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت