استوقفني مقطع فيديو من نسج الخيال مصمَّم بالذَّكاء الاصطناعي، شخوصه حصان ودولفين وشاحنة ضخمة يقودها إنسان وهي مليئة بأسماك الدولفين، تسير على طريق غير معبَّد لكنَّها ماضية غير آبهة بوعورة الطريق.
وخلال مسير الشاحنة سقط دولفين على الأرض، فمرَّ بجانبه حصان أبيض سرعان ما برك الأخير لِيصعدَ الدولفين المتأثر بحرارة التربة على ظهر الحصان، فركض به نحو البحر، لِيعودَ الدولفين إلى بيئته فرحًا، وحينها ذرف الحصان دمعًا متأثرًا بهذا الموقف الذي يهزُّ المشاعر.
وبإسقاط هذا المشهد الخيالي على واقع الحياة الإنسانيَّة في عصرنا الحالي، نستخلص أنَّ الخيال أحيانًا يستطيع أن يقولَ لنا ما نعجز نحن عنه لِيضعَ أمامنا مرآة تكشف مقدار ما فقده العالم من التعاطف والرحمة.
فالحصان في هذا المشهد لم يكن يعرف الدولفين، ولم يسأل عن أصله أو انتمائه، ولم ينتظر أن يوجهَه أو يمنحَه أحَد الإذن لإنقاذ الآخر فرأى مخلوقًا يتألم، فاندفع نحوه.
لقد أوضح المشهد أن للحصان غريزة الرحمة، بينما أصبح الإنسان المعاصر ـ رغم كل ما حقَّقه من تقدُّم علمي وحضاري ـ أكثر قدرة على رؤية الألم وأقل قدرة على الاستجابة له.
في الواقع نحن نعيش في عصر تصل فيه صوَر الحروب والمجاعات والتهجير والدَّمار إلى هواتفنا في اللحظة نفسها التي تحدث فيها، حيث إننا في واقعنا المعاش وليس في الخيال نشاهد طفلًا يبحث عن والديه تحت الأنقاض، وأُسرة تفترش الطريق بعد أن فقدت منزلها، وإنسانًا يفرُّ من وطنه بحثًا عن الأمان، ثم ننتقل بعد دقائق إلى خبر رياضي وكأنَّ المأساة التي شاهدناها لم تكن سوى مشهد عابر.
لقد أصبح الاعتياد على الألم أحَد أخطر مظاهر عصرنا الحالي، بل والأكثر إيلامًا أن السياسة، التي يفترض أن تكونَ أداة لحماية الإنسان وتحقيق الاستقرار، تتحوَّل أحيانًا إلى ساحة لحسابات المصالح والنفوذ، فبسبب حسابات المصالح نفسها تغاضت الإنسانيَّة عن تَجدُّد جرائم الاحتلال «الإسرائيلي» في غزَّة عبر القصف وإطلاق النار تجاه مناطق متفرِّقة من القِطاع.
ترى كيف ستكون ردَّة فعل حصان السيناريو الخيالي لو رأى مشهد استشهاد الفلسطينيَّة إيمان شلوف البالغة من العمر (27 عامًا) هي وجنينها الحبلى به في الشَّهر السَّابع، متأثرَيْنِ بجراح أُصيبت بها في مواصي خان يونس خلال الأسبوع المنصرم؟
المؤسف حقًّا في عالم الإنسان اليوم نعاصر حالات من الألم تستنفر العالم بأجمعه، وغيرها من حالات أخرى من الألم لا تجد سوى الصَّمت، وكأنَّ قِيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بموقعه الجغرافي وأهميَّته السياسيَّة ومصالح القوى المؤثِّرة، لذلك حري بنا البحث عن إنسانيَّة قِطاع أعراض البشر على مستوى العالم أين ذهبت؟
ولعلَّ الأرقام أكثر بلاغة من الكلمات؛ لأنها تكشف حجم الهوَّة بين ما يعلنه العالم من التزام بالإنسان، وما يستطيع فعليًّا أن يقدِّمَه له عندما يسقط تحت وطأة العدوان؛ إذ إن قدرة المؤسَّسات الإنسانيَّة نفسها تتراجع في الوقت الذي تتَّسع فيه الاحتياجات.
ووفقًا للتقرير العالمي لعام (2025) الصادر عن المفوضيَّة السَّامية للأُمم المُتَّحدة لشؤون اللاجئين، سَعتِ المفوضيَّة خلال عام (2025) إلى حماية ومساعدة (129.4) مليون شخص من المهجَّرين قسرًا وعديمي الجنسيَّة حول العالم. إلَّا أنَّ التمويل المتاح لم يغطِّ سوى (37%) من إجمالي احتياجاتها، مقارنةً بـ(48%) في عام (2024)، ممَّا أدَّى إلى اتِّساع فجوة التمويل إلى (63%).
وفي ظلِّ هذا النقص الحادِّ في الموارد، اضطرَّت المفوضيَّة إلى تقليص حضورها الجغرافي وقدراتها التشغيليَّة، وانخفض حجم القوى العاملة لديها بأكثر من الثلث، بما يعادل نحو (6,600) وظيفة، بحلول يناير (2026). ترى كيف ستكون ردَّة فعل الحصان الخيالي لو شنفت أذنيه هذه الأرقام؟
وعليه، يمكننا الاستنتاج هنا بأنَّ دمعة الحصان في المشهد الخيالي قد اختصرت الحكاية في التأصيل «لقِيمة الرحمة والعطف على الضعيف» لذلك بكى الحصان؛ لأنَّه نجح في إنقاذ حياة دولفين... فهل ما زال الإنسان يشعر بأخيه الإنسان، خصوصًا في المناطق المُحتلَّة ومناطق الصراعات والكوارث الطبيعيَّة كالزلازل والفيضانات؟ آملين أن يستعيدَ الإنسان قلبه، قَبل أن يصبحَ الخيال أكثر إنسانيَّة من الواقع.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»