تُروى قصة رجل شوهد ليلًا يفتش تحت مصباح في أحد الشوارع.
سأله المارَّة: عمَّ تبحث؟ فقال: عن محفظتي، انضم بعضهم إليه، ثم سألوه: أين فقدتها تحديدًا؟ فأجاب: في شقتي، توقفوا مذهولين: ولماذا تبحث عنها هنا؟ قال: لأنَّ شقتي مظلمة، والضوء هنا أقوى!
تبدو القصة طريفة، لكنها تضع يدها على عادة مألوفة.
حين تضيق بنا مشكلة، نطوف على الناس طلبًا للرأي، ونقرأ المزيد، وننتظر من أحدهم أن يقدم لنا الحل جاهزًا.
وقد يكون سؤال أهل الخبرة ضروريًّا ومفيدًا، إلا أن البحث في الخارج وحده لا يكفي إذا كنا نهرب من النظر إلى ما يجري في داخلنا: مخاوفنا، وافتراضاتنا، ورغباتنا، وما نعرفه عن المشكلة ولم نمنح أنفسنا وقتًا لتأمله.
لكل إنسان طاقات أودعها الله فيه، وقدرة على التعلم والتمييز وربط الأفكار.
غير أن ضجيج اليوم، وتسارع الرسائل، والانشغال الدائم بردود أفعال الآخرين، قد يحجب عنه صوته الهادئ.
وهنا تأتي قيمة التأمل: أن نخفف الضجيج قليلًا، ونمنح العقل فرصة لترتيب ما ازدحم فيه، والقلب فرصة للإصغاء.
يمكن أن تبدأ بخمس دقائق في مكان هادئ.
اجلس جلسة مريحة، وتنفس على طبيعتك، ولاحظ ما يَرِد عليك من أفكار.
إذا ظهرت فكرة مزعجة، فلا تصارعها ولا تتبعها إلى نهايتها؛ اعترف بوجودها، ثم أعد انتباهك برفق إلى اللحظة الحاضرة.
واسأل نفسك: ما المشكلة التي أواجهها فعلًا؟ ما الذي أستطيع فعله اليوم؟ وما الأمر الذي أحتاج فيه إلى مساعدة؟
وقد يعمّق الذكر هذا السكون.
ردد بتأنٍّ: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، أو «أستغفر الله»، واستحضر معية الله بعلمه ورحمته، ثم ادعه أن يهديك إلى الصواب.
ليست الغاية انتظار فكرة خارقة أو إشارة غامضة؛ فقد يكون ما تحتاج إليه قرارًا بسيطًا: محادثة صادقة، أو اعتذارًا، أو مراجعة خطة، أو استشارة مختص.
أحيانًا لا تظهر الإجابة خلال دقائق التأمل، بل بعد أن تنهض وتباشر عملك.
وأحيانًا تكتشف أن سؤالك الأول لم يكن دقيقًا، وأن المشكلة الحقيقية في موضع آخر.
لهذا يحسن أن تدوّن ما خطر لك، ثم تختبره بالواقع، وتعدله إذا لزم الأمر.
فالبصيرة تنمو بالتأمل والعمل والتعلم من النتائج.
إن النور الذي نلتمسه في داخلنا ليس دعوة إلى الاستغناء عن الناس، وإنما دعوة إلى ألا نهمل ما منحنا الله من عقل ووعي.
فلنفتح نافذة في شقتنا المظلمة، ونبحث حيث فقدنا المحفظة، ثم نحمل ما نجد إلى نور الواقع.
د.أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية