كثيرا ما نتابع ذلك الطفل أو نتذكر أحدا ما من الأطفال وهو في الصف الثالث الإبتدائي مثلا، هادئاً أكثر من اللازم، يجلس في آخر الفصل ويفزع إذا رفع أحدهم صوته. فيظنه معلمه خجولا، بل وتظنه أسرته عنيدا. وهنا وللأسف ربما كان يحمل ذلك الطفل في صدره ما يعجز عن قوله. وهنا حقيقة هذه المشاهد ليست نادرة كما نحب أن نعتقد. نحو نصف أطفال العالم، بين سن السنتين وسبع عشرة سنة، يتعرضون لشكل من أشكال العنف كل عام.
وهنا حين نسمع كلمة إساءة، يقفز إلى أذهاننا الضرب المبرح وحده. ولكن صح القول فالحقيقة أوسع وأخفى. فالإساءة كماً نعلم قد تكون جسدية، وربما تكون كلمات جارحة تتكرر حتى تصير صوتا داخليا يلازم الطفل عمره كله، وتنتهي بأن تكون إهمالا صامتا كطفل جائع أو وحيد…. فهل ينتبه أحد لذلك!؟
وهنا قد يقول قائل: مرالأمر وكبر الطفل ونسي، لكن الدراسات الطبية أكدت بأن كل تجربة مؤلمة إضافية في الطفولة ترفع احتمال الإصابة لاحقا بأمراض القلب، والسكري، والاكتئاب وحتى الإدمان. وكأن الجسد يحتفظ بدفتر حسابات لا يغلق، ويسجل فيه كل خوف مر به لم يجد من يطمئنه.
بطبيعة الحال، الطفل حين يعيش خوفا متواصلا ولا يجد كتفا يستند إليه، يبقى جهازه العصبي في وضع الإنذار الدائم، ويظل هرمون الكورتيزول مرتفعا أياما وشهورا ان لم يكن سنين. وهكذا سيؤثر ذلك في مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه وضبط الانفعالات. لذلك سنلاحظ بأن الطفل المساء إليه مشاغبا أو كسولا وهو في الحقيقة طفل منهك يحاول النجاة بما يعرف!
وهنا أجد من المهم بمكان الحديث عن متلازمة الطفل المهزوز، حيث يهزأحدهم رضيعا بعنف ليسكته، فتنتهي اللحظة بنزف في الدماغ وإعاقة دائمة. وغالباً لا يكون الفاعل شخصا سيئا، بل هو ربما رعاية منهكا فقد أعصابه أمام بكاء لا ينقطع. وعليه من الجيد أن نعلم الأهل أن يضعوا الرضيع في مكان آمن ويبتعدوا دقائق حين يبلغ بهم التعب مبلغه، وأن يطلبوا العون دون خجل.
لذلك من الجيد الانتباه وندقق على علامات تستحق أن نتوقف عندها ككدمات في أماكن غير معتادة، أو إصابات متكررة بتفسيرات لا تتطابق مع شكلها، أو تغير مفاجئ في سلوك الطفل كخوف شديد، أو عدوانية غير معهودة أو ربما عودة إلى التبول اللاإرادي بعد أن تجاوزه..
لذلك برامج التوعية في المدارس جدا مهمة، حيث إنها تزيد فهم الأطفال لأجسادهم، وتعلمهم أن من حقهم أن يقولوا لا وأن يخبروا بالغا يثقون به. لكن هذا وحده لا يكفي، فالطفل الذي يتكلم يحتاج إلى بالغ يصدقه بالأخير! لذلك الثقة هنا مهمة، حيث إنها تجعل الطفل يتحدث، فتبنى الثقة هكذا تدريجيا بمواقف صغيرة كل يوم، على سبيل المثال أن نستمع دون مقاطعة، وألا نعاقب على الصراحة.
ختاما، الإساءة ليست قدرا مكتوبا على الأطفال، ولكن جزما أن ما يعيشه الإنسان في سنواته الأولى يرافقه طويلا وإن التدخل المبكر يغير ذلك المسار. فلنكن للأطفال أذنا تسمع، وعينا ترى، ويدا تحمي!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي