يكشف حجم الإنفاق الإنمائي على المشروعات التي تنفِّذها وزارة النقل والاتصالات وتقنيَّة المعلومات، والبالغ أكثر من (188) مليون ريال عُماني وفق البيانات المعلنة، عن الدَّوْر الذي تؤدِّيه الاستثمارات العامَّة في تهيئة الاقتصاد للنُّمو؛ فالطريق الذي يختصر زمن الرحلة، ويربط منطقة بمركز تجاري أو خدمي، يفتح أمام السكَّان والمؤسَّسات خيارات أوسع للعمل والإنتاج والاستثمار. ومن هذا المنطلق، تكتسب مخصَّصات المشروعات قِيمتها الحقيقيَّة حين تنعكس على حركة الحياة في المحافظات، وتُسهم في خفض كلفة النقل وتيسير وصول الخدمات والسِّلع؛ لذا فإنَّ قراءة الإنفاق الإنمائي من زاوية أثَره تضع كلَّ مشروع ضمن صورة أشمل، قوامها اقتصاد تتحسن فيه قدرة المناطق على الاستفادة من مواردها وموقعها وفرصها.
ولعلَّ استحواذ مشروعات الطُّرق على (68) بالمئة من السيولة المعتمدة يظهر إدراكًا لأهميَّة الرَّبط في توسيع نطاق التنمية؛ فالمشروعات الممتدَّة إلى مسندم، ومنها طريق السُّلطان فيصل بن تركي بين دبا وخصب ووصلة ليما، تحمل قِيمة تتصل بسهولة الوصول وتعزيز الترابط بين التجمعات السكانيَّة والأنشطة الاقتصاديَّة. كما أنَّ ازدواجيَّة طريق أدم ـ ثمريت تخدم حركة النقل على امتداد جغرافي واسع، بما يساند انتقال الأفراد والبضائع بين المحافظات. وتتجلَّى مسؤوليَّة التخطيط في توجيه المشروعات إلى المواضع التي تُحقق أكبر منفعة ممكنة؛ فكلَّما تحسَّنت شبكة الطُّرق، تهيَّأت للمحافظات ظروف أفضل لجذب الأنشطة والاستثمارات، وأصبحت الفرص أقرب إلى النَّاس في أماكن إقامتهم.
ويتوقف أثَر هذه المخصَّصات كذلك على انتظام التنفيذ وكفاءة إدارة المال العام؛ فالمشروع يحتاج ـ إلى جانب اعتماده المالي ـ إلى تدفُّق مدروس للسيولة ووضوح في الالتزامات، وسرعة في إنجاز مستحقَّات المقاولين والمورِّدين. وهذه الجوانب تؤثِّر مباشرة في وتيرة العمل وقدرة الشركات على الوفاء بتعهداتها والمحافظة على جودة التنفيذ. ومن هذا المنطلق، تكتسب جهود الوزارة في رقمنة إجراءات الصَّرف وتقليص الدَّوْرة المستنديَّة، وتعزيز متابعة الضمانات والوثائق أهميَّة عمليَّة، إذ تساعد على إحكام الرقابة وتسريع القرار المالي في الوقت نفسه. وحين تعمل الإدارة الماليَّة بكفاءة، تتحوَّل المخصَّصات إلى أعمال منجزة وفق جداول واضحة، وتتعزَّز الثقة بين الجهات الحكوميَّة والقِطاع الخاص.
إنَّ نجاح الإنفاق الإنمائي يُقاس بما يبقى من أثَره بعد اكتمال المشروعات: في طريق آمِن يسهِّل الحركة، ووقت أقلّ للوصول، ومناطق أقدر على استقطاب الأعمال، وخدمات تنتفع بها المُجتمعات المحليَّة. لذلك، تظلُّ متابعة جودة التنفيذ وقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات ضرورة موازية لتخصيص الموارد وصرفها، وتمنح تلك النظرة سلطنة عُمان قدرة أكبر على ترتيب أولويَّاتها واستثمار مواردها، حيث تكون الحاجة والمنفعة أوسع، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ فالإنفاق الذي يجمع حُسن التخطيط وكفاءة التنفيذ واستدامة الأثر يصنع بنية أساسيَّة تخدم الناس اليوم، وتمنح الاقتصاد مساحة أرحب للنُّمو في السنوات المقبلة.