السبت 19 سبتمبر 2026 م - 7 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

طموحات رؤية «عمان 2040» وهواجس الأمن الاجتماعي

طموحات رؤية «عمان 2040» وهواجس الأمن الاجتماعي
السبت - 19 سبتمبر 2026 02:57 م

د. سلطان بن خميس الخروصي

ترتكز سلطنة عُمان على رهانات طموحة تتجاوز حدود التعديل الهيكلي للميزانيَّات والمؤشِّرات العامَّة نحو عُمق البنية الاجتماعيَّة التي استقرَّت عليها الأُسرة العُمانيَّة لفترات طويلة، وفي صلب هذا التحوُّل الشَّامل تبرز طموحات «رؤية عُمان 2040» ليس كخطَّة تنمويَّة أو وثيقة قِطاعيَّة فحسب، بل كإعادة تموضع استراتيجي شامل يهدف إلى التحرُّر من عقيدة الأُسر الريعيَّة المرتكزة على تقلُّبات شريان النفط، والانتقال ببنية الدَّولة نحو نموذج معرفي متعدِّد الموارد، ومنافس في الأسواق العالميَّة. إلَّا أنَّ هذه الفلسفة الجديدة لتوازنات الدَّولة تفرض في طريقها استحقاقات مؤلمة وتساؤلات منهجيَّة وإنسانيَّة شديدة الحساسيَّة؛ فطموحات الدَّولة نحو مؤشِّرات رقميَّة عالميَّة ودوليَّة مرتفعة يقف أمامها تردّد في أعماق الشارع العُماني ولو بصوت هادئ ومكتوم لكنَّه يحمل بين جنباته هواجس مشروعة، وسؤالًا عميقًا ومعقدًا: مَن يتحمَّل الكُلفة الفعليَّة لهذا التطوُّر ماليًّا وإنسانيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا؟ وكيف يؤثِّر هذا التحوُّل الاقتصادي المتسارع على الأمن الاجتماعي والاستقرار النفسي للأُسرة العُمانيَّة؟

يعتقد كثير من المراقبين لبوصلة مؤشِّرات التنمية في السلطنة أن هذا الحِراك هو حتمي وطني وليس خيارًا تنمويًّا ترفيًّا أو نزهة فكريَّة، بل هو واقع اقتصادي وجغرافي فرَضَته النزعات والنزاعات الجيوسياسيَّة والمتغيِّرات الثقافيَّة والاجتماعيَّة المحيطة؛ حيث أثبتت الأرضيَّة الهشَّة لأسواق الطاقة العالميَّة أن الاعتماد على الموارد النفَّاذة يضع الاستقرار الوطني بِرُمَّته في مهبِّ الريح، ممَّا جعل الإصلاح المالي وتحديث الهياكل الاقتصاديَّة امتحانًا لا يتيح للوطن مجالًا نحو التأجيل أو التغاضي عنه؛ وبناء على ذلك جاءت الخطَّة الماليَّة متوسطة المدى وخطط ضبط الإنفاق العام، وتنويع مصادر الدخل عبر الضرائب الاستهلاكيَّة، وإعادة توزيع الدَّعم الحكومي والترشيد، وكلُّها خطوات ضروريَّة لإيقاف نزيف الدَّيْن العام، وإعادة الهيبة والاستقلاليَّة للسيادة الماليَّة.

إلَّا أن هذا المنطق الاقتصادي الدَّقيق، والطموح المؤسَّسي الإصلاحي التنافسي المشروع والذي وإن بدت نجاحاته ملموسة في استعادة ثقة المؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة، وتخفيض التكاليف السياديَّة من المفترض أن يكونَ قد وضع ضمن حساباته طرفي معادلة الإصلاح بدقَّة وحِرفيَّة تجمع بين لُغة الأرقام والتي لا تعني بالضرورة ارتياحًا آليًّا في التفاصيل اليوميَّة لحياة المواطن والبناء النفسي للأُسرة، وبين واقع الحياة المعيشيَّة والتفاصيل الدقيقة للأُسرة العُمانيَّة.

وهنا ينشأ القلق الاجتماعي والتأثير النفسي الذي يتطلب قراءة عميقة متأنية؛ فالانتقال المباشر والسريع من مفهوم «دولة الرعاية الشاملة» الذي تتكفل فيه الدَّولة بكل مجالات الخدمات والتوظيف المباشر إلى مفهوم «دولة الإنتاج والشراكة المسؤوليَّة»، أحدَث صدمة تكيّف في النسيج الاجتماعي، فبدت الطبقة الوسطى تشعر بالضغط وعدم الارتياح والاستقرار، وهي التي تُمثِّل صمام الأمان والقلب النابض لأيِّ مُجتمع، فميزانيَّاتها الأُسريَّة أصبحت بين سندان ما كانت عليه قَبل السَّعي المتسارع نحو الإصلاحات الاقتصاديَّة الطموحة، وبين ومطرقة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدَّعم المباشر لخدمات الطاقة والماء والضرائب الاستهلاكيَّة كضريبة للتنمية ـ برأي الحكومة ـ. إن هذا الضغط المالي لا يتوقف عند حدود الأرقام في كشوف الحسابات البنكيَّة، بل يتسرب عميقًا لِيُشكِّلَ عبئًا نفسيًّا واستنزافًا ذهنيًّا متواصلًا لربِّ الأُسرة، الذي يجد نفسه مطالبًا بالتوفيق بين متطلبات الحياة الأساسيَّة وبين طموحات أبنائه في التعليم والعيش الكريم.

في الفِقه الاجتماعي، يُشكِّل الاستقرار النفسي للأُسرة ركيزة أساسيَّة للأمن الوطني والأمني بكل معانيه، وليس ترفًا ورفاهيَّة هامشيَّة؛ فحين يعيش ربُّ الأُسرة أو مَن يقوم مقامه تحت ضغط الشعور بعدم اليقين بوضعه المالي بين اليوم والغد، فذلك يخلق توتُّرًا ينتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لِينتشرَ بين مشاعر وأحاسيس الأطفال والشَّباب داخل المنزل في عدم الثقة بقدرتهم على مواجهة المتغيِّرات القادمة، والخوف من مستقبل قد يُوجد تيارًا هائجًا يجرف الواقع المستقر في ظل معادلة غير متوازنة بين طموح الدَّولة في التنمية المستدامة والواقع الاجتماعي والمعيشي المرتبك.

من جهة أخرى، لا أعتقد أن روَّاد التنمية الوطنيَّة قد تجاهلوا الهاجس المتنامي لدى فئة الشَّباب الباحثين عن عمل، والذين يُطلب منهم فجأة تغيير بوصلتهم الذهنيَّة والنفسيَّة نحو الريادة واقتحام القِطاع الخاص، في وقت لا يزال فيه هذا القِطاع يخوض مخاضًا عسيرًا لِيكتسبَ القدرة الاستيعابيَّة الكافية والتنافسيَّة العادلة لتوليد بيئات عمل جاذبة ومستقرَّة في ظلِّ الكثير من مطالبات بالمراجعات القانونيَّة التي ينبغي أن تعكفَ عليها وزارة العمل والتي يرى كثير من المراقبين والمنخرطين في هذا المجال أن تُسهمَ بصورة كبيرة في قتل حاضنات المؤسَّسات الصغيرة والمتوسط؛ ممَّا يقلِّل في تحقيق الأمان الوظيفي الذي يعطيه القِطاع الحكومي فلا يكون موازيًا له، أضِفْ إلى ذلك كابوس التسريح الذي تتجرع مرارته كثير من الأُسر وتبعاته الاجتماعي والذي من المفترض أن تذيعَ تفاصيله البحثيَّة الميدانيَّة مؤسَّسات التنمية الاجتماعيَّة وفي مقدِّمتها وزارة التنمية الاجتماعيَّة.

وأمام كل ذلك تُظهر الحكمة السياسيَّة والإنسانيَّة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سلطنة عُمان بأنَّ أعتى الإصلاحات الماليَّة والخطط الاقتصاديَّة ستفقد قِيمتها وستُواجه مخاطر الانتكاس إذا ما افتقرت إلى سند اجتماعي صلب وأمن نفسي متين للمواطنين. ومن هذا المنطلق التأسيسي، جاء المرسوم السُّلطاني رقم (52/2023) بإصدار قانون الحماية الاجتماعيَّة والذي فصَّل هذه المنظومة بأنَّها ليست مجرَّد حزمة مسكِّنات وقتيَّة أو هِبات طارئة، بل هي فلسفة أمان صلبة وهيكليَّة تُرافق الإنسان العُماني بمختلف مراحل العمريَّة ومسارات حياته؛ فمنفعة الطفولة جاءت لِتخففَ العبء عن كاهل الأُسر الشَّابَّة، مرورًا بمنفعة كبار السِّن وذوي الإعاقة، وصولًا إلى تأمين الأمان الوظيفي للكوادر الوطنيَّة في سوق العمل. ومن المفترض أن تُمثِّل هذه المنظومة ركيزة قويَّة لتخفيفِ قوَّة الصَّدمات للتحوُّل الاقتصادي الذي تسعى لتحقيقه الدَّولة على اختلاف مؤسَّساتها، وضمان ألَّا ينزلقَ أيُّ مواطن أو أُسرة تحت حدِّ الكفاية، ممَّا يمنح المُجتمع القدرة على التنفس والصمود والتوازن النفسي أثناء عمليَّة تجديد بناء اقتصاد الدَّولة.ونحن نناقش ما يدور في فَلكِ الحماية الاجتماعيَّة ومسارات التصحيح الاقتصادي والتنموي من المفترض أن يُناقش مبدأ العدالة في توزيع التكلفة، وهو المحور الفلسفي الذي تدور حوله معادلة الاستقرار؛ فالطموح الملحمي الوطني للطفرة الاقتصاديَّة والتنمويَّة ينبغي أن تتجاوز النظرة الأحاديَّة التي تُحمّل طرفًا دون آخر تبعات المرحلة؛ فعبء التحوُّل لا ينبغي بل لا يمكن أخلاقيًّا أن يستوطنَ كاهل المواطن وحده، كما أنه ليس بوسع الحكومة أن تتحمله منفردة وبمعزل عن بقيَّة المحركات والمُكوِّنات، فالمرحلة تتطلب توزيعًا متكافئًا ووطنيًّا للمسؤوليَّات؛ فالحكومة مطالبة بالشفافيَّة المطْلقة، والاستمرار في مراجعة كفاءة السياسات الماليَّة، وضمان عدم مساس هذه السياسات بالخدمات الأساسيَّة كالتعليم، والصحَّة، والجودة الاجتماعيَّة، والعيش الكريم. كما أن دَوْر ومسؤوليَّة القِطاع الخاص أخلاقيًّا ووطنيًّا ضروري عبر الخروج من شرنقة الانتظار والدَّور السلبي ليتولَّى موقعه القيادي في الاستثمار الحقيقي، وبناء صناعات ذات قِيمة مضافة، وتوطين الوظائف بعوائد مجزيَّة توفِّر الأمان المعيشي، بدلًا من التفتيش عن الربحيَّة السريعة القائمة على العمالة الرخيصة. أمَّا المُجتمع والأُسرة ـ فعلى الرغم من العبء الكبير الذي يقع على عاتقها ـ فيتحتَّم عليهما استيعاب طبيعة المرحلة، وممارسة وعي استهلاكي يتناسب مع معطيات العصر، وتوجيه الأبناء نحو اكتساب مهارات المستقبل، والاعتماد على الذَّات في بيئة اقتصاديَّة مختلفة تمامًا عن سابقتها.

ختامًا، فإنَّ رؤية «عُمان 2040» ليست مجرَّد وثيقة تستهدف أرقامًا صمَّاء في توازن الميزانيَّات ونِسَب التنويع الاقتصادي، بل هي ملحمة تُعِيد هيكلة واقع الدَّولة والمُجتمع، ولا يمكن قياس النجاحات الكبرى والنهائيَّة لهذه الرؤية بتراجع العجز أو الانخفاض المالي للدَّيْن العام فحسب، بل بما تتركه هذه الرؤية من أثَرٍ عميق وأمان مستدام داخل كل بيت عُماني. فمن البديهيَّات أن التحوُّل التاريخي الشجاع يتطلب تضحيات وقدرة كبيرة على الصمود، لكن الاستقرار الاجتماعي والسِّلم النفسي والأمان الأُسري لا يتحقق إلَّا عندما يستشعر المواطن أنه ليس فقط مَن يدفع فاتورة هذا التحوُّل، بل هو الشريك الأول، والأصل الأسمى والهدف النهائي الذي تُبنى وتصاغ من أجلِه كل التطلُّعات الوطنيَّة.

د. سلطان بن خميس الخروصي

كاتب عُماني

[email protected]