كانت سيَّارة الأُجرة وسيلته الوحيدة للتنقل والحركة من مكان إلى آخر، بها يذهب إلى عمله، وإلى قريته في الإجازة الأسبوعيَّة لزيارة أُسرته، ولشراء وقضاء حوائجه ومتطلبات حياته اليوميَّة. أمَّا الآن ـ وبعد أن أصبحَ موظفًا يأخذ راتبًا مجْزيًا من المؤسَّسة التي يعمل فيها ونما دخله بمستوى مريح، ولديه سيَّارة أنيقة تنتمي إلى علامة تجاريَّة مرموقة ـ فمن غير اللائق ـ كما صوَّرت له نفسه ـ أن يراه زملاؤه وأقاربه وأصدقاؤه، يركب سيَّارة أُجرة، خوفًا وقلقًا من أن يصبحَ مادَّة للسخريَّة والتهكُّم والتندُّر... لهذا السَّبب فضَّل الإبقاء على سيَّارته مركونة في مواقف ورشة الصيانة، بعد أن وصلته رسالة تبلغه «أنها جاهزة للاستلام»، حتى بعد يوم آخر، عسى أن يجدَ واحدًا من زملائه أو أصدقائه أو أقربائه متفرغًا فيحمله إلى مكانها، بدلًا من سيَّارة الأُجرة... شخص آخر، قاطع سيَّارات الأُجرة في هذه الأيَّام القائظة شديدة الحَر، خشية أن يقودَه حظُّه إلى واحدة تخلو من أجهزة تكييف، أو يتحجج سائقها بأنَّ جهاز تبريدها يتطلب صيانة وليس لديه من المال ما يكفيه لإصلاحه. ويحدُث أحيانًا أن يبخلَ صاحب سيَّارة الأُجرة (التاكسي) على نفسه وركَّابه بخلًا لا يصوغ له ـ مهما بلغت سخونة الأجواء ـ أن يلمسَ زر المكيِّف فيُضفي على المكان نسمات هواء مشبَّعة بالطراوة والراحة، إلى جانب ما يتبع ذلك من مشقَّة انتظار سيَّارة أُجرة مناسبة، والسَّير مسافة ليست بالقصيرة بين مكان الإقامة وموقف الأُجرة، لذلك كلِّه آثَرَ أن يؤخِّرَ أعماله ويتركَ مصالحه، ويأنسَ إلى سرير يقضي فيه جلَّ ساعات الصباح والظهيرة في أجواء منعشة أسكبها على جسده وروحه مكيِّف الغرفة. يجوب سائق الأُجرة الشوارع الرَّئيسة والفرعيَّة، والطُّرقات والحارات، باحثًا عن زبون يقلُّه في عربته إلى المكان الراغب فيه مقابل أُجرة تُعِينه على تحقيق وتوفير احتياجات أُسرته اليوميَّة، ومعظم زبائنه في دول الخليج من الأجانب الذين يعملون في أسواق بُلدانه بأُجور متواضعة، فالعدد الأكبر من المواطنين الخليجيين يملكون سيَّارات هم وأبناؤهم وزوجاتهم، ومشاهد عدد السيَّارات الفارهة أمام البيوت المتواضعة تُؤكِّد على هذه الحقيقة، ويتمُّ تغطية نفقات شراء معظمها بالديون والقروض والأقساط البنكيَّة وشركات التمويل. فالوجاهة وطغيان المظاهر وحُب التَّباهي بلغتْ مبلغًا جعلت من كل مواطن غارقًا في الديون لتلبية وتحقيق شكلٍ من أشكال الرفاهيَّة التي تتضح في فخامة السيَّارات والفِلل، والتأفُّف والشعور بالخجل والخوف من «كلام وتعليقات الناس» لركوب سيَّارات الأُجرة والنقل العام أو اقتناء سيَّارات رخيصة وعلاماتها التجاريَّة من فئة «العاديَّة جدًّا»... يتحرك سائق الأجرة في الطُّرق والشوارع الفرعيَّة متجاوزًا عشرات السيَّارات من حوله، ماسحًا المواقع والمحطَّات التي يقف عليها عادةً زبائنه وركَّاب عربته الذين يصعدون إليها الواحد بعد الآخر، مثلما يتركون مقاعدهم فيها في مواقع يشيرون إليها بالاسم عادةً قَبل أن يستقروا في كراسي السيَّارة، ويذكروا السَّائق بها قبيل ثوانٍ من بلوغها بالطقطقة على جدار (التاكسي)، صراع داخلي وأفكار متباينة، ورحلة عمل مرهقة ومحاولات جادَّة وخلافات لا تنتهي بين السائق الذي يهمُّه أن يكسبَ راكبًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا وخامسًا... ـ فإضافة راكب جديد تضيف إلى المبلغ النهائي المحصَّل مالًا زائدًا ـ وبين ركَّابه الذين لا يعنيهم من الأمر سوى الوصول إلى النقطة التي ينشدونها في أسرع زمن ممكن، وحركة السَّائق وتوقُّفه وبحثه وانتظاره وإضافة زبون جديد، جميعها تعيق وصولهم في الوقت المناسب... سيَّارة الأجرة، مجلس متنقل، يحمل أطيافًا من البشر، ينتمون إلى جنسيَّات مختلفة، وثقافات مُتعدِّدة، وخلفيَّات وتقاليد اجتماعيَّة متفاوتة، ومستويات علميَّة وسلوكيَّة وأنماط تفكير متباينة، وجوه وملامح وسحنات بشريَّة تجمعها روابط ووشائج إنسانيَّة، لكنَّها تختلف في الوجهة والهدف والأحاسيس والرؤى والمواقف التي تحكي كل منها محتوى وقصصًا ومشاهد لا رابط بينها، وتنبئ عن أسرار من الحياة ومَسيرة العمر، لا يستطيع أن يشعرَ بها إلَّا مَن عايشها واكتوى بنارها وأحزانها وفواجعها، أو نعم واغتبط بمسرَّاتها ومباهجها ومفاتنها، أو استلهم دروسها وأدرك معانيها ودلالاتها العميقة، وجه مهموم حزين غارق حتى الثمالة في التفكير؛ وآخر لا تشي ملامحه بشيء ذا قِيمة يمكن قراءته واستلهام صبغته الظاهريَّة، وثالث غاضب متعكر المزاج منفعل يكاد أن يقفزَ من مقعد سيَّارة الأُجرة (التاكسي) مع كل حركة أو صوت أو هزَّة ملوِّحًا بيده لِيصيبَ ضررها مَن بقربه، ورابع تتقافز السعادة من ملامحه، يطرب ويتجاوب سرورًا وانبساطًا مع نغمات الموسيقى وكلمات الأغنية التي يصدرها مسجِّل السيَّارة، وخامس يعبِّر عن مشاعره بعفويَّة وصِدق، ويتحدث عن حياته وأسراره وإنجازاته والمواقف التي حدثت له دون توقُّف، فتُحدث مللًا وتأفُّفًا من الركَّاب الذين يقاسمونه المقاعد، وسادس لا يجرؤ كائن مَن كان أن يقتربَ من خزانة أسراره، ركن إلى السكون والهدوء وكأنَّ كل الصَّخب الذي يحيطه لا يعنيه في شيء... في صحيفة الوجه سطور تشي بمعانٍ ودلالات غنيَّة بتجارب الحياة، عميقة بالمحتوى ودروس السّيرة. وتظلُّ سيَّارة الأجرة، مؤشِّر تقييم ضمن سلسلة من الأدوات والعناصر العديدة يضعها السَّائح في حسبانه، لتقييم تجربته، وتكوين رأي عام عن ثقافة البلد التي يزورها وتقاليدها وتطوُّرها وتوجُّهات سياساتها، ومستوى تعامل الإنسان مع الإنسان، استغلالًا وكذبًا وأمانةً وصدقًا، جهلًا وتخلفًا، وثقافةً ووعيًا. وتظلُّ سيَّارة الأُجرة ذكرى جميلة وتجربة ثريَّة لزبون ظلَّ دهرًا معتمدًا عليها قَبل أن تكونَ له سيَّارته الخاصَّة، ففيها ومنها حصل على فيض من الأخبار والأحداث، واستمع إلى الحوارات والنقاشات، وتوقُّعات وتنبؤات عن المستقبل في كل التخصُّصات والمجالات، وتظلُّ مشاكل المواطن وقضايا الفقر والضرائب وغلاء الأسعار وضعف الدخل ومتاعب الحياة ومشاقها، وملفات الباحثين عن عمل والمسرَّحين، وآخر قرارات الجهات المعنيَّة، هي المتصدرة. وما زالت النصيحة الأولى التي يتلقاها قائد مركبة مستجد، حصل على رخصة قيادة حديثة: التحذير من سيَّارة الأُجرة التي لا يحسب لحركتها وتوقُّفها الفجائي حساب، كلَّما خطر لسائقها شبح إنسان يشير إليه بالتوقف... الكثير يمكن أن يقالَ ويكتبَ عن سيَّارة الأُجرة التي تظلُّ وسيلة نقل مهمَّة لا غنى عنها للمواطن والمقيم والسائح، ولا يتصور رؤية شارع خالٍ من سيَّارة أُجرة ذات ألوان مميزة وبديعة... واستخدام وطلب سيَّارة أُجرة في عصر العِلم والتقنيَّات تطوّر بشكلٍ متسارع، فلم نَعُد نقف على جانبَي الشارع في الشمس الحارَّة والصَّيف القائظ نؤشِّر ونوقف ونلوِّح، باحثين عن فرصة عربة أُجرة تقف لنا وتأخذنا إلى المكان الذي نقصده، إذ يكفي من موقعنا في البيت، المكتب، السوق، ورشة السيَّارة، المَعْلم السياحي... أن نطلبَها من خلال التطبيقات والبرامج المعتمدة في هواتفنا، ومن المعلومات التي نتبادلها نعرف موقعها وكم دقيقة تبعد عنَّا، ومتى سوف تصل... إنَّه العِلم يسَّر وسهَّل على الإنسان وعالج الكثير الكثير من مشاكله ومتاعبه...
سعود بن علي الحارثي