السبت 19 سبتمبر 2026 م - 7 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : شراكة تدخل مرحلة التنفيذ

السبت - 19 سبتمبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

تؤسِّس زيارة «الدولة» التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهوريَّة أنجولا مرحلةً جديدة في العلاقات بين البلديْنِ؛ تتجاوز التعارف السياسي واستكشاف الفرص إلى بناء شراكة اقتصاديَّة واستثماريَّة، تستند إلى مشروعات واضحة ومصالح متبادلة. ويُؤكِّد توقيع اتفاقيَّات ومذكّرات تفاهم تتجاوز قِيمتها الإجماليَّة مليارًا و(500) مليون دولار أنَّ الإرادة السياسيَّة المشتركة بدأتْ تتحوَّل إلى التزامات عمليَّة قادرة على إحداث أثَرٍ تنموي ممتدٍّ، خصوصًا مع تنوُّع مجالات التَّعاون لِتشملَ الصِّناعة والتَّعدين والطَّاقة النَّظيفة والموانئ والنَّقل البحري والجوِّي والخدمات اللوجستيَّة والزِّراعة والأمن الغذائي والثَّروة السمكيَّة.. وهذا الاتِّساع يمنح العلاقات قاعدةً متينة، ويحدُّ من ارتباطها بقِطاع واحد؛ ويجعلها أكثر قدرةً على الاستمرار ومواجهة التقلُّبات الاقتصاديَّة العالميَّة.

ولعلَّ القِيمة الاستراتيجيَّة الأبرز لهذه الشَّراكة تكمن في عناصر التَّكامل التي تجمع الاقتصادَيْنِ العُماني والأنجولي؛ فأنجولا تمتلك موارد واسعة في النِّفط والغاز والمعادن والزِّراعة ومصايد الأسماك، فيما تمتلك سلطنة عُمان خبرات متراكمة في تطوير الموانئ والمناطق الاقتصاديَّة والصِّناعات التَّحويليَّة والخدمات اللوجستيَّة والاستثمار وإدارة المشروعات الكبرى. ومن شأن الجمع بين الموارد الأنجوليَّة والإمكانات العُمانيَّة أنْ ينقلَ التَّعاون من نطاق تصدير المواد واستيراد المنتجات إلى تأسيس سلاسل إنتاج مشتركة ترفع الِقيمة المضافة، وتدعم توطين الصِّناعات، وتفتح فرصًا أمام الشَّركات الوطنيَّة، وتُسهمُ في توفير الوظائف وبناء القدرات. وتنسجم تلك المعادلة مع توجُّه البلدَيْنِ نحو تنويع مصادر الدَّخل وتقليل الاعتماد على القِطاعات التقليديَّة، بما يجعل الشَّراكة أداةً لخدمة أهداف التَّنمية الوطنيَّة لدى الجانبيْنِ.

إنَّ افتتاح «البنك الإفريقي العُماني» في لواندا، ودخول الشَّركات العُمانيَّة في استثمارات مناجم المعادن بأنجولا، يُمثِّلان خطواتٍ تنفيذيَّة تحمل دلالة تتجاوز حدود المشروعات القائمة؛ إذ يمهِّدان لبناء حضور اقتصادي عُماني أوسع في القارَّة الإفريقيَّة. فأنجولا بما تمتلكه من موارد وموقع جغرافي وإمكانات واعدة تستطيع أنْ تُشكِّلَ منصَّةً للاستثمارات العُمانيَّة في غرب القارَّة وجنوبها، فيما تمنح الموانئ العُمانيَّة وشبكاتها البحريَّة واللوجستيَّة المنتجات والموارد الإفريقيَّة بوَّابةً فاعلة إلى أسواق الخليج وآسيا. ومن هنا تبرز أهميَّة تطوير الرَّبط البحري والجوِّي، وتسهيل حركة رؤوس الأموال ورجال الأعمال، وتحفيز القِطاع الخاصِّ على تأسيس مشروعات مشتركة، حتى تتحولَ العلاقة الثنائيَّة إلى ممرٍّ اقتصادي يصل بين الأسواق الإفريقيَّة والموقع العُماني المتقدِّم على طُرق التِّجارة الدّوليَّة.

إنَّ نجاح هذه الانطلاقة يرتبط بقدرة المؤسَّسات المعنيَّة في البلدَيْنِ على تحويل الاتفاقيَّات إلى برامج تنفيذيَّة مُحدَّدة، ترتبط بجداول زمنيَّة وآليَّات متابعة ومؤشِّرات تقيس حجم الاستثمار والتِّجارة، وفرص العمل، والقِيمة المحليَّة المضافة، خصوصًا أنَّ التَّبادل التِّجاري القائم لا يعكس حتى الآن عُمق الشَّراكة ولا حجم الإمكانات المتاحة. كما يُضيف برنامج التَّعاون الفنِّي بُعدًا معرفيًّا وإنسانيًّا مُهمًّا، من خلال تبادُل الخبرات وبناء القدرات وتوسيع الرَّوابط بين الشَّعبين. وقد وضعتِ الزِّيارة الأساسَ السياسي والاقتصادي اللازم، لِتنتقلَ المسؤوليَّة إلى الجهات التنفيذيَّة ومؤسَّسات القِطاع الخاصِّ كي تبنيَ فوقه مشروعات مستدامة، وتجعل من الشَّراكة العُمانيَّة الأنجوليَّة نموذجًا للتَّعاون الدّولي القائم على المصالح المتوازنة والمنافع الملموسة والتَّنمية المشتركة.