تُمثِّل الاتفاقيَّة الاستثماريَّة التي وقَّعها جهاز الاستثمار العُماني مع شركة «تمبل ووتر» الصينيَّة، بالشراكة مع هيئة الابتكار والتقنيَّة في هونج كونج، نموذجًا متقدِّمًا في توظيف الاستثمارات الخارجيَّة لخدمة الاقتصاد الوطني؛ إذ يلتزم الجهاز بنسبة (25) بالمئة من رأس مال صندوق «تمبل ووتر للابتكار»، مقابل تخصيص (50) بالمئة من حجم الصندوق للاستثمار في عددٍ من القِطاعات الواعدة داخل سلطنة عُمان. وتظهر تلك المعادلة مفهوم «البُعد العُماني» الذي يعتمده الجهاز في إدارة استثماراته الدوليَّة، بما يجعل العائد منها ممتدًّا إلى استقطاب رؤوس الأموال والتقنيَّات والخبرات، وفتح الأسواق أمام الشركات العُمانيَّة، إلى جانب تحقيق العوائد الماليَّة المستدامة. وهو توجُّه يمنح الاستثمار السِّيادي دورًا تنمويًّا أوسع، ويربط حركة رأس المال العُماني في الأسواق العالميَّة بأهداف التنويع الاقتصادي وبناء القدرات الوطنيَّة.
ولعلَّ القِيمة الأبرز في الاتفاقيَّة تكمن في قدرتها على مضاعفة الأثر الاقتصادي للمساهمة العُمانيَّة؛ فالحصَّة التي يلتزم بها الجهاز في الصندوق تقابلها حصَّة مضاعفة مخصَّصة للاستثمار في سلطنة عُمان، بما يتيح استقطاب شركات عالميَّة واعدة وربطها بالفرص المتاحة في السوق المحلِّي. ويكشف ذلك عن نهج استثماري يقوم على حُسن توظيف الشراكات الدوليَّة للحصول على قِيمة تتجاوز حجم المساهمة المباشرة، وتحويلها إلى مشروعات وأنشطة إنتاجيَّة وفرص للتعاون التجاري والتقني. كما يمكن لهذه الاستثمارات أن تُسهمَ في تنشيط القِطاع الخاص، وتوسيع سلاسل القِيمة المحليَّة، وتوفير فرص نوعيَّة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، بما يُعزِّز قدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص العمل، وجذب المزيد من الاستثمارات المرتبطة بالقِطاعات المستقبليَّة.
وتكتسب الاتفاقيَّة أهميَّتها النوعيَّة من تركيز الصندوق على الصناعات المتقدِّمة، والطَّاقة الجديدة، والذَّكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والتقنيَّات الحيويَّة والحياتيَّة، وهي مجالات أصبحت من أهمِّ محركات النُّمو والتنافسيَّة في الاقتصاد العالمي. ومن شأن ربط الشركات العاملة في تلك القِطاعات بالفرص الاستثماريَّة في سلطنة عُمان أن يدعمَ بناء منظومة وطنيَّة أكثر اتصالًا بمراكز الابتكار الدوليَّة، ويساعدَ على نقلِ التقنيَّات وتوطين المعرفة وتنمية المهارات. ويتطلب تعظيم المكاسب وجود آليَّات واضحة تربط الاستثمارات الجديدة بالشركات العُمانيَّة والجامعات ومؤسَّسات البحث والتطوير، مع منح الكفاءات الوطنيَّة فرصًا حقيقيَّة للتدريب والعمل والمشاركة في تطوير الحلول التقنيَّة، حتى تتحولَ المعرفة المستقطبة إلى قدرات محليَّة راسخة، ومنتجات وخدمات قابلة للنُّمو والتصدير.
إنَّ الشراكة تفتح مساحة أوسع أمام سلطنة عُمان لترسيخ موقعها بوَّابةً إقليميَّة لنُمو الشركات التقنيَّة الآسيويَّة وتوسُّعها نحو أسواق الخليج والمنطقة، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي، وبنيتها الأساسيَّة، وعلاقاتها الاقتصاديَّة، ومُقوِّماتها الاستثماريَّة. وفي المقابل، توفِّر للشركات العُمانيَّة والشركات التابعة للجهاز فرصًا للوصول إلى شركاء وتقنيَّات وأسواق جديدة في هونج كونج والصين، بما يُحقق التكامل بين الاستثمارات الدوليَّة والفرص المحليَّة في إطار مبادرة الحزام والطريق. ويبقى نجاح الاتفاقيَّة مرتبطًا بقدرتها على تحويل رأس المال والتقنيَّة إلى مشروعات فعليَّة، وشراكات مستدامة، وسلاسل قِيمة داخليَّة؛ وهو ما يجعلها خطوة عمليَّة نحو اقتصاد عُماني أكثر تنوعًا وابتكارًا وقدرة على المنافسة في القِطاعات التي سترسم ملامح المستقبل.