الأحد 13 سبتمبر 2026 م - 1 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

أيها المُعلِّم .. لا تدخل الفصل منكسرًا

أيها المُعلِّم .. لا تدخل الفصل منكسرًا
الأحد - 13 سبتمبر 2026 02:55 م

نجوى عبداللطيف جناحي

ارفَعْ رأسَك، فأنتَ مُعلِّم، فالطالب يراك كبيرًا شامخًا أمامه، ويرى فيك قصَّة نجاح تبهره، يراك قدوةً يستنير بها في دربه الطويل، هو يريدك ثابتًا رابط الجأش في معترك الحياة، هو ما زال غضًّا طريَّ العود يخشى عواصف الزمان، فعندما يراك قويًّا واثقًا من نفسك يطمئن أن تلك العواصف لا تهزم الأقوياء، فأنتَ تعطيه درسًا في الصمود، لِتُمثِّلَ قول المتنبي:

ومن عرف الرزايا وهو طفلٌ

لا يهاب الرزايا حين شابا

فبثقتك بنفسك تكون مصدرًا للأمان له، والْبَسْ ثوب الحكمة، فكم يشقُّ على الطالب أن يرى قدوته يلبس ثوب الضعف، فالطالب يعرف أحاديث نفسك وخلجات قلبك، هو يقرؤها من تعابير وجهك، ومن نبرات صوتك، ومن بين سطور كلماتك، ومن مواقفك؛ لِيرصدَ انطباعك عن نفسك.

أيها المُعلِّم، لا تدخل الفصل وفي جعبتك انكسار وإحباط وعدم ثقة بالنفْس، والشعور بالهزيمة واليأس، فتلك المشاعر يرصدها طلابك، فتصغر في أعينهم، وستبقى صورتك المنكسرة في ذاكرتهم، فينهار هذا الرمز أمام أعينهم، فالمُعلِّم بالنسبة لهم ليس مجرَّد ناقل للمعلومات، بل هو رمز للثقة والطموح والقدرة على مواجهة الحياة.

أيها المُعلِّم، لا تدخل الفصل منكسرًا، حتى وإن كانت لديك أسباب كثيرة للانكسار. لا تدخل وأنتَ تفكر في سنوات مضتْ دون ترقية، أو في جهد بذلته ولم يجدِ التقدير الذي كنتَ تنتظره، أو في قرار إداري شعرتَ أنَّه لم يكُن منصفًا لك. لا تدخل الفصل منكسرًا؛ لأنك لم تقطف ثمرة جهودك ولم تترقَّ، فتمرُّ السنوات دون أن تتطور وظيفيًّا، فتكون فريسةً لفكرة تسيطر على وجدانك، وهي أن الجهد ضائع في هذه الوظيفة، فيعلو صوت بداخلك يقول: لماذا التَّعب؟ وما الجدوى من الاجتهاد في التدريس؟ فكل هذا الجهد بلا مردود. لا تظننَّ أن هذا الصوت منكتم، فهو صوت جهوري عالٍ ينعكس في تصرفاتك ومواقفك مع طلابك، فيشعروا بانكسارك، ويشعروا بضعفك، والخوف كل الخوف أن يتمردوا عليك؛ لأنهم يستضعفونك.

أيها المُعلِّم، لا تدخل الفصل وأن تشعرَ بالغربة؛ لأنك تقف أمام جيل يتحدث لُغةً مختلفةً عن لُغتك. جيل يعيش في العالم الرَّقمي، ويستخدم مصطلحات وتطبيقات وأدوات تتغيَّر بسرعة مذهلة، فتلاحق هذا العالم ولا تستطيع أن تلحق بالرَّكب، فهم يتحدثون تارةً عن (الواتس أب)، وتارةً عن (الإنستجرام)، ويلحقه (السناب شات)، و(الترند)، وتسمع كلمة (البرود كاست)، و(AI) لأول مرَّة، فأنتَ أمام سَيْل من المصطلحات، ما تفتأ أن تسألَ عن مصطلح لِتفهمَه حتى جاؤوك بالآخر، وتلهث لِتتعلمَ كيف يستخدم، وكأنَّك تلحق بسراب. هنا تشعر بالغربة واليأس، فَهُم أعْلَمُ منك وأفْهَم في هذا العالم السريع المُتجدِّد، فيعلو صوت في سرِّك بأنَّك أُمِّي في مجال التكنولوجيا، وطلابك هم الخبراء المتمكنون، فيرصدون هذا الصوت الذي يعلو بداخلك، فيشعرون بانكسارك، ويشعرون بضعفك، والخوف كل الخوف أن يتمردوا عليك؛ لأنهم يستضعفونك.

أيها المُعلِّم، لا تجعل عدم الترقية يسرق منك رسالتك، ولا تجعل راتبك أو مسمَّاك الوظيفي يُحدِّد قِيمتك الإنسانيَّة والمهنيَّة. فالترقية حق مهني يسعى إليه الإنسان، والتقدير الوظيفي أمرٌ مُهمٌّ، لكن قِيمتك أمام طلابك هو ذخرك لمستقبلك، فرأس مالك في حفاظك على وقارك وحكمتك وعلمك، فوظيفة المُعلِّم لا تختصر في درجة وظيفيَّة. فكم من مُعلِّم لم يحملْ منصبًا كبيرًا، لكنه ترك أثرًا عظيمًا في نفوس طلابه، وتذكَّر أنَّك تصنع مكانتك في المُجتمع بحكمتك في التعامل داخل الفصل، وتذكَّر أن ترقيتك لِتكونَ رجلًا وجيهًا في المُجتمع بيدك، وليس بيد مسؤوليك في العمل.

فأتقْنْ فنَّ النسيان والتجاهل، وادْخلِ الفصل وجعبتك فارغة من الهموم، وتذكَّر أنَّك في هذا الموقف (الموقف التعليمي) سيِّد لا ينافس، واجعل نصبَ عينيك هدفًا واحدًا: أن تكونَ تصرفاتك ومواقفك محفورةً في ذاكرتهم، فأنتَ صاحب رسالة. فاعتز بنفسك وثِق بها، واعتز بمهنتك، وابقَ شامخًا أمام طلابك، واجعل لك قلبًا لا يعرف الانكسار... ودُمْتَ أيها المُعلِّم سالمًا.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@