لم يحالفْني الحظُّ هذا العام في زيارة محافظة ظفار خلال موسم الخريف، رغم أنني سعيتُ جاهدًا لأكونَ أحد زوارها، لكن ظروف العمل أبَتْ أن تحققَ لي تلك الأُمنية؛ فقد كنتُ أتطلع إلى الاستمتاع بطقسها الاستثنائي، ومشاهدها الطبيعيَّة الخلابة، وأن أعيشَ بنفسي ذلك التحوُّل المدهش الذي يكسو الجبال والسهول بالخضرة، ويغمر المكان بالرذاذ والضباب، ويمنح الزائر فرصة للابتعاد عن حرارة الصيف وضغوط الحياة والعمل. كنتُ أُمنِّي النفْس بالسَّير بين أشجار جوز الهند، وزيارة العيون المائيَّة والشواطئ، والجلوس في مكان مفتوح أراقب فيه السُّحب وهي تلامس الجبال، غير أنَّني بقيتُ أتابع كل ذلك عبر الصور والمقاطع التي امتلأت بها وسائل التواصل الاجتماعي. وكان أكثر من مليون و(116) ألف زائر أوفر حظًّا منِّي، بعدما اتجهوا إلى الجنوب خلال موسم خريف ظفار لعام (2026م)، مؤكدين أن الخريف أصبح موعدًا سياحيًّا ينتظره الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.
لفتني في الأرقام أن عدد الزوار ارتفع بنسبة (8.6) بالمئة مقارنة بالموسم الماضي، وأن شهر أغسطس وحده استقبل أكثر من (643) ألف زائر، بما يعادل (57.7) بالمئة من إجمالي زوار الموسم. تخيَّلت الطُّرق المؤدية إلى صلالة وهي تحمل كل هذه العائلات، وهو تخيُّل قائم على التجربة؛ فكم قطعتُ المسافة ما بين مسقط وصلالة، وأدرك المتعة الكامنة في تلك الرحلة. وتخيَّلت الفنادق والشقق والمطاعم والأسواق وهي تستقبل الزوار، وأصحاب المشروعات الصغيرة وهم ينتظرون موسمًا قد يصنع فارقًا في دخل عام كامل؛ فعبور أكثر من (831) ألف زائر عبر المنافذ البريَّة يكشف أن الرحلة إلى ظفار أصبحت جزءًا من تجربة الخريف، رغم طول الطريق وما يحتاجه من مزيدٍ من الخدمات والاستراحات والمرافق القادرة على استيعاب هذه الحركة. وهنا يمتدُّ أثر الموسم على طول الطريق، ويتوزع بين محافظات وولايات ومحطَّات وأسواق يستفيد أصحابها من مرور الزوار.
إنَّ النجاح اللافت الذي شهده موسم الخريف يقدِّم نموذجًا يمكن الاستفادة منه وتعميم عناصره في مختلف ربوع سلطنة عُمان، خصوصًا مع اختيار الجبل الأخضر عاصمة للسياحة الخليجيَّة لعام (2027م)، وما يحمله الاختيار من فرصة لتقديم واحدة من أجمل الوجهات العُمانيَّة إلى جمهور خليجي ودولي أوسع؛ فلكل محافظة في عُمان طبيعتها وموسمها وحكايتها التي تستحق أن تُروى. وإذا كانت ظفار قد صنعت موسمًا تجاوز المليون زائر، فإن الجبل الأخضر يقدِّم تجربة مختلفة بمدرَّجاته الزراعيَّة، وقُراه القديمة، وورده، ورمانه، وجوزه، وعسله. وقد ارتفع عدد زواره من نحو (203) آلاف زائر عام (2024م) إلى أكثر من (222) ألفًا عام (2025م). وبين خضرة ظفار، ومدرَّجات الجبل الأخضر، ورمال الشرقيَّة، وشواطئ مسندم، وقلاع الداخليَّة، تبدو عُمان قادرة على صناعة مواسم سياحيَّة متعاقبة لا تتوقف عند مكان واحد أو وقت محدد من العام.
هذا النُّمو يفتح المجال أمام زيادة المنشآت الفندقيَّة، والنُّزل التراثيَّة، وبيوت الضيافة، والمطاعم، والأنشطة السياحيَّة، ويضع أمام القطاع مسؤوليَّة المحافظة على جودة التجربة؛ فالزائر لا يتذكر جمال الطبيعة وحده، لكنَّه يتذكر الطريق، وسهولة الحجز، ونظافة المكان، وجودة الخدمة، والسعر الذي دفعه، والطريقة التي استُقبل بها. كما أن نجاح الموسم لا يُقاس بعدد القادمين؛ إذ يظهر أيضًا في مدَّة إقامتهم، وحجم إنفاقهم، ورغبتهم في العودة، وما يصل من العائد إلى المؤسَّسات الصغيرة وأبناء المحافظات. لم أزُرْ ظفار هذا الخريف، ورُبَّما يكون لي معها موعد في الموسم المقبل، لكن متابعتي لأرقامها وما يُحققه الجبل الأخضر وبقيَّة الوجهات جعلتني أرى صورة أكبر من رحلة فاتتني: عُمان تتحول بهدوء إلى وجهة تتعاقب فيها المواسم؛ ينتهي موعد في الجنوب، فيبدأ آخر فوق الجبال، وتظل الصحراء والسواحل والقلاع والقُرى قادرة على منح الزائر أسبابًا جديدة للحضور والعودة.
إبراهيم بدوي