الثلاثاء 08 سبتمبر 2026 م - 26 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : عُمان تقيس نبض المجتمع بالذكاء الاصطناعي

أضواء كاشفة : عُمان تقيس نبض المجتمع بالذكاء الاصطناعي
الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 02:57 م

ناصر بن سالم اليحمدي

عندما تعلن الحكومة عن أرقام معيَّنة، فإنَّ بعض هذه الأرقام يحكي قصَّة وطن، والبعض الآخر يكشف ملامح مُجتمع، بينما البعض أيضًا يرسم الطريق إلى المستقبل. وحين تنجح سلطنة عُمان في توظيف الذَّكاء الاصطناعي لقياس دخل الأُسر وإنفاقها، فإنَّها لا تضيف رقمًا جديدًا إلى جداول الإحصاءات الرسميَّة فحسب، وإنما تفتح بابًا جديدًا في طريقة قراءة المُجتمع وفَهْم احتياجاته وصناعة القرار فيه.

من هنا تأتي أهميَّة المشروع الذي دشَّنه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لنتائج مسح دخل وإنفاق الأُسرة بالذَّكاء الاصطناعي؛ باعتباره إنجازًا وطنيًّا يُعَد الأول من نوعه عالميًّا، وتجربة تضع عُمان في موقع متقدم على خريطة الابتكار الإحصائي؛ لِتؤكدَ سلطنة عُمان أنَّ الريادة ليست دائمًا في امتلاك أحدَث التقنيَّات، وإنَّما في القدرة على تحويلها إلى حلول عمليَّة تمسُّ حياة الناس وتخدم خطط التنمية. وهذا هو ديدن السلطنة؛ نجدها دائمًا في مقدِّمة الدول التي تبحث عن رفاهيَّة المواطن وسعادته وتنميته. وكما كانت الأولى عالميًّا من قَبل في التنمية البشريَّة، فها هي تصبح الأولى عالميًّا أيضًا في البحث عن مقدار اكتفاء الأُسر بما يُحقق لهم العيش الكريم.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الإحصاء باعتباره أرقامًا وجداول ومؤشِّرات، لكن الإحصاء في جوهره أعمق من ذلك بكثير؛ فهو اللُّغة التي تتحدث بها المُجتمعات عن واقعها، والمرآة التي ترى من خلالها الحكومات تفاصيل الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لسكَّانها. وكلَّما كانت هذه المرآة أكثر دقَّةً وسرعةً ووضوحًا وشفافيَّة، كانت القرارات أكثر قدرةً على ملامسة الواقع. وهنا تكمن قِيمة التجربة العُمانيَّة؛ فبدلًا من أن تستغرق العمليَّات التقليديَّة وقتًا وجهدًا وموارد كبيرة، أتاح توظيف الذَّكاء الاصطناعي تنفيذ مسح دخل وإنفاق الأُسرة بكفاءة أعلى، مع المحافظة على متطلبات الجودة والدقَّة والموثوقيَّة الإحصائيَّة. وهذا التحوُّل لا يعني اختصار الوقت والتكلفة فحسب، بل يعني كذلك القدرة على تحديث البيانات واستدعائها في الوقت الذي يحتاج فيه صانع القرار إليها.

الأهم في هذا المشروع العظيم أنَّ البيانات التي يوفِّرها ليست بيانات معزولة عن الحياة اليوميَّة للأُسر، وإنَّما هي مدخل لِفَهْمِ أنماط الإنفاق والاستهلاك والظروف المعيشيَّة والعلاقة بين الدخل والمتغيِّرات الديموغرافيَّة، فضلًا عن أهميَّتها في إعداد الرَّقم القياسي لأسعار المستهلك، وقياس التضخُّم، وتلبية متطلبات الحسابات القوميَّة.

لا شك أنَّ الأرقام التي كشف عنها المشروع تمنحنا صورة أكثر وضوحًا عن التحوُّلات الاقتصاديَّة التي شهدها المُجتمع العُماني؛ فقد ارتفع متوسط الدخل الشهري للأُسرة العُمانيَّة في عام (2025) مقارنةً بعام (2018) بنسبة (18,5%)، كما ارتفع متوسط الدخل الإجمالي للأُسر إلى نحو (18,7%). وفي المقابل، ارتفع متوسط الإنفاق الكلِّي الشهري للأُسرة العُمانيَّة بزيادة نسبتها (13,7%). وهذه النِّسَب تعكس سلوكًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وكل تغيُّر في الدخل أو الإنفاق يمكن أن يقدِّم لصانع القرار إشارةً إلى اتِّجاهات المُجتمع واحتياجاته وتحدِّياته؛ لِيتحولَ بذلك الإحصاء من عمليَّة رصد للماضي إلى أداة لاستشراف المستقبل.

إنَّ القِيمة الحقيقيَّة للذَّكاء الاصطناعي هنا ليست في أن يحلَّ محلَّ الإنسان، وإنَّما في أن يمنحَ الإنسان قدرةً أكبر على الفَهْمِ والتحليل واتِّخاذ القرار. فالتقنيَّة مهما بلغت من تطوُّر تظلُّ وسيلةً، بينما الغاية هي تحسين حياة الإنسان، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة إليها أكبر، وبناء سياسات أكثر دقَّةً وعدالةً واستجابةً للواقع. ومن اللافت في هذه التجربة أنَّها لم تأتِ منفصلةً عن مسار التحوُّل الوطني، بل جاءت منسجمةً مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، التي تجعل المعرفة والابتكار والتقنيَّة أدوات أساسيَّة لبناء اقتصاد أكثر تنافسيَّة وكفاءةً واستدامةً.

لا شك أنَّ هذا الإنجاز أظهر ـ بما لا يدع مجالًا للشَّك ـ مدى الكفاءات الوطنيَّة التي وقفت وراءه. فالريادة التقنيَّة لا تُقاس بالأجهزة والبرمجيَّات وحدها، وإنَّما بالعقول التي تعرف كيف توظفها، وبالقدرة المؤسَّسيَّة التي تحوِّل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى نتائج، ثم إلى نموذج يمكن البناء عليه. وهنا رُبَّما تكون الرسالة الأجمل في التجربة العُمانيَّة أنَّ الابتكار ليس حكرًا على الدول التي سبقت في التقنيَّة، وأنَّ امتلاك الإرادة والكفاءة والقدرة على التجريب يمكن أن يجعل من أيِّ دولة صانعةً لنموذج جديد. وإذا كان هذا المشروع يُمثِّل أول تجربة من نوعها عالميًّا في استخدام الذَّكاء الاصطناعي لإنتاج مؤشِّرات دخل وإنفاق الأُسرة بهذه المنهجيَّة، فإنَّ الأمل الأكبر ألَّا تتوقف الريادة عند حدود السبق، بل أن تمتدَّ إلى تطوير التجربة وتوسيع تطبيقاتها، وأن تصبحَ عُمان مصدرًا للمعرفة والخبرة في هذا المجال، وأن تجدَ دول أخرى في التجربة العُمانيَّة ما يساعدها على تطوير أنظمتها الإحصائيَّة. فالريادة الحقيقيَّة لا تكون في أن نقول: كنَّا أول مَن فعل ذلك، وإنَّما في أن يصبحَ ما فعلناه طريقًا يسلكه الآخرون.

إنَّ العالم يتَّجه بسرعة نحو اقتصاد تقوده البيانات؛ فالحكومات تستند في قراراتها إلى التحليل الذَّكي، والمُجتمعات تصبح فيها القدرة على الوصول إلى المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب عنصرًا من عناصر القوَّة الوطنيَّة. وفي هذا العالم الجديد، لن تكونَ الدول الأكثر نجاحًا هي التي تملك أكبر قدر من البيانات فحسب، بل تلك التي تستطيع أن تفهمَ بياناتها، وتقرأ ما بين أرقامها، وتحوِّلها إلى سياسات وقرارات تصنع أثرًا حقيقيًّا في حياة الإنسان. وعندما تفعل عُمان ذلك اليوم، فإنها لا تقيس دخل الأُسرة وإنفاقها فقط؛ إنها تقيس قدرتها هي على الانتقال إلى المستقبل.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني