الثلاثاء 08 سبتمبر 2026 م - 26 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : شرطة عمان السلطانية وجهود حثيثة فـي المحافظة على القيم وصون الهوية الوطنية

في العمق : شرطة عمان السلطانية وجهود حثيثة فـي المحافظة على القيم وصون الهوية الوطنية
الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

تُشكِّل الهُوِيَّة الوطنيَّة ركيزةً أساسيَّة في بناء منظومة الدولة الحديثة، وضمان استقرارها واستدامة تنميتها. وقد وضعت رؤية «عُمان 2040» ضمن محاورها أولويَّة «المواطنة والهُوِيَّة والتراث والثقافة الوطنيَّة»؛ منطلقًا لتعزيز هُوِيَّة المُجتمع العُماني، والمحافظة على تراثه، وتوثيقه، ونشره عالميًّا. كما سَعَت إلى إيجاد منظومة شراكة مُجتمعيَّة مؤسَّسيَّة متكاملة تُعزِّز الهُوِيَّة العُمانيَّة، مرتكزةً على مبادئ أصيلة وإجراءات راسخة تدعم كفاءة الاقتصاد الوطني واستدامته، وترسِّخ الحوكمة والحماية الاجتماعيَّة في مواجهة التحدِّيات الاقتصاديَّة؛ لذلك لم تَعُد المحافظة على الهُوِيَّة مسؤوليَّة المؤسَّسات الثقافيَّة أو التعليميَّة وحدها، بل أصبحت مشروعًا وطنيًّا تشترك فيه جميع مؤسَّسات الدولة، كلٌّ وفق اختصاصاته وأدواره، انطلاقًا من الثوابت التي أطَّرها النظام الأساسي للدولة، وأكدت عليها رؤية «عُمان 2040»، باعتبارها إطارًا حاكمًا لتعزيز قِيَم الانتماء، والالتزام، والمسؤوليَّة، وصون المنظومة القِيَميَّة للمُجتمع.

وفي هذا الشأن، تؤدِّي شُرطة عُمان السُّلطانيَّة دورًا وطنيًّا متجدِّدًا، يتجاوز أبعاد العمل الأمني التقليدي إلى الإسهام في بناء الإنسان العُماني، وتعزيز حسِّ المواطنة، وترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة في السلوك والممارسة. وتؤدِّي رسالتها وفق اختصاصاتها المحدَّدة بالمرسوم السُّلطاني رقم (35/90)، والمتمثلة في المحافظة على النظام والأمن العام، والآداب، وحماية الأرواح والأعراض والأموال، وكفالة الطمأنينة، ومنع الجريمة، وضبطها، والتحرِّي عنها، إلى جانب ما تسنده إليها القوانين واللوائح من اختصاصات أخرى.

وتعكس هذه الاختصاصات طبيعة العمل الشُّرطي واتِّساع مسؤوليَّاته، وارتباطه بمختلف جوانب الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والفكريَّة والأمنيَّة والأخلاقيَّة والقانونيَّة، كما تعبِّر عن تطوُّر المؤسَّسة الشُّرطيَّة في ظلِّ المتغيِّرات المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة، وتعاملها مع شرائح متنوِّعة من أبناء المُجتمع، سواءٌ المواطنون أو المقيمون أو الزوار.

وتؤدِّي شُرطة عُمان السُّلطانيَّة دورها في ترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة من خلال منظومة العمل الشُّرطي والأمني والإنساني والعمليَّاتي، باعتبارها جزءًا أصيلًا من رسالتها الوطنيَّة في بناء مُجتمع يقوم على الأمن والسَّلام والتنمية، وتعزيز الأمن الوقائي والسَّلامة المُجتمعيَّة، وحماية المُجتمع من التأثيرات الفكريَّة والتقنيَّة والاجتماعيَّة التي قد تمسُّ هُوِيَّته، وتَبنِّي السياسات والاستراتيجيَّات والأُطر المعزِّزة لذلك في بيئة العمل الشُّرطي وأنظمته وأساليب التواصل وأدواته، بما يجسِّد خصوصيَّة المُجتمع العُماني وقِيَمه وثوابته، ويُعزِّز الهُوِيَّة الوطنيَّة والحسَّ الأمني والضبطيَّة الأخلاقيَّة.

وانطلاقًا من الأُطر التشريعيَّة والتنظيميَّة والمهنيَّة لمنظومة القِيَم والهُوِيَّة، جعلت منها شُرطة عُمان السُّلطانيَّة موجِّهًا لعملها في حماية مكتسبات الوطن ومقدَّساته وهُوِيَّته الحضاريَّة، وتعظيم دَوْر القِيَم في ترسيخ الأمن والاستقرار وصون الإنسان والممتلكات. كما تقدِّم نموذجًا عمليًّا يجسِّد مفهوم الهُوِيَّة في الممارسة الشُّرطيَّة، ويُعزِّز قِيَم المسؤوليَّة، والشراكة، والجاهزيَّة، والالتزام، بما يُسهم في بناء المواطن الواعي المنتج، الحامل لراية وطنه، والمدافع عن مبادئه، والملتزم بقوانينه.

من هنا يبرز دَوْر شُرطة عُمان السُّلطانيَّة في تعزيز الهُوِيَّة والثوابت الوطنيَّة، والمحافظة على القِيَم، وصون الأمن الاجتماعي، من خلال جملة السياسات والأُطر واللوائح التي تَضْمن رفع الجاهزيَّة الوطنيَّة في المحافظة على الذَّوق العام، وحماية الذائقة الوطنيَّة، وتعزيز الروابط الإنسانيَّة بين أفراد المُجتمع؛ ليجسِّدَ الشُّرطي في ممارسته قِيَم التضحية والولاء والانتماء، ويسهر على حفظ الحقوق والواجبات، وصون الأخلاق، وترسيخ المسؤوليَّة والانضباط، بما يُسهم في بناء ممارسة شُرطيَّة أصيلة تستلهم قِيَم المُجتمع العُماني وهُوِيَّته، وتستجيب في الوقت نفسه لمتغيِّرات الواقع المحلِّي والعالمي.

كما يُسهم العمل الشُّرطي في بناء مواطن شريك في المسؤوليَّة الأمنيَّة، مستوعب للتعليمات الصادرة من جهات الاختصاص بالدَّولة، متجاوب مع متطلبات الأمن، يمتلك وعيًا راسخًا وثقافةً متزنةً، ويشارك بفاعليَّة في حماية الوطن ومكتسباته. ويُعزِّز ذلك الشراكة مع المُجتمع، لِتتحولَ مفاهيم العمل الشُّرطي إلى ثقافة مُجتمعيَّة تعمِّق الانتماء، وترفع من قِيمة المنجز الشُّرطي، وتكرِّس الشعور بالأمن بوصفه أحد مرتكزات الهُوِيَّة الوطنيَّة.

لقد اتَّجهت جهود التطوير الشُّرطي إلى ترسيخ هذا التحوُّل، عبر بناء وعي المواطن والمقيم بحقوقه وواجباته ومسؤوليَّاته، بما يُحقق الأمن والأمان في ظل سيادة القانون، وحفظ النظام، ووضع ذلك موضع التطبيق والمتابعة والرصد والتشخيص والتحليل، في ظل مُجتمع يتَّسم بالتنوع ويَضْمن التعايش والتكامل والانسجام بين المواطنين والمقيمين والزوار. وقد تجلَّى ذلك في إدارة الحشود، وتنظيم الفعاليَّات والمهرجانات، وتطبيق الضوابط التي تراعي الذَّوق العام والآداب والأخلاق، بما يحافظ على صورة المُجتمع العُماني ويصون هُوِيَّته؛ ولذلك جاءت الممارسة الشُّرطيَّة ترجمةً عمليَّة لمبادئ الهُوِيَّة، من خلال تطبيق القوانين، وتعزيز ثقافة الوقاية، والتوعية بالمخاطر، ومنع الجريمة، ومكافحة المخدّرات والإشاعات وغيرها من الظواهر السلبيَّة، وفق استراتيجيَّات واضحة تستهدف تحقيق أعلى مستويات الأمن المُجتمعي.

ولم يقتصر دَوْر الشُرطة على حماية القِيَم، بل امتدَّ إلى تعزيزها والتسويق لها من خلال الشراكة مع المُجتمع، وتشجيع الإبلاغ عن كل ما يسيء إلى الهُوِيَّة أو يشوِّه القِيَم والأخلاق. كما قدَّمت نموذجًا رائدًا في إدارة الأزمات والتعامل الإنساني مع الحالات الطارئة، بالتنسيق مع مختلف الأجهزة الأمنيَّة والعسكريَّة والمَدنيَّة، بما يجسِّد قِيَم التكامل والتكاتف واللحمة الوطنيَّة، وقد ظهر ذلك جليًّا في التعامل مع الأنواء المناخيَّة والحالات الطارئة.

على أنَّ ما فرضته التقنيَّات الحديثة والمنصَّات الرقميَّة من تحدِّيات جديدة، تمثلت في انتشار الإشاعات، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز، والتشهير، والترويج للمخدّرات والمعلَّبات الفكريَّة، إلى جانب انتشار بعض الممارسات غير المنضبطة عبر منصَّات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي عزَّز دَوْر الإعلام الأمني الشُّرطي والحسَّ الشُّرطي، وتطوير أدواته التوعويَّة والرقابيَّة، وتوظيف التقنيَّة والمنصَّات الرقميَّة في بناء مؤشِّرات نوعيَّة وكميَّة لرصدِ الجرائم والممارسات الجرميَّة، أو ما يصدر عن بعض الحسابات التي تستهدف زعزعة الأمن المُجتمعي أو الإساءة إلى الأخلاق والهُوِيَّة الوطنيَّة.

ولم يَعُد دَوْر شُرطة عُمان السُّلطانيَّة في تعزيز الهُوِيَّة العُمانيَّة مقتصرًا على تنفيذ الاختصاصات الأمنيَّة والضبطيَّة، بل امتدَّ لِيؤسِّسَ نموذجًا مؤسَّسيًّا متكاملًا يقوم على ترسيخ مبادئ الحوكمة، والالتزام، والشفافيَّة، والمساءلة، والحوار المُجتمعي، بما عزَّز الثقة المتبادلة بينها وبين المُجتمع، ورسَّخ التقدير المُجتمعي لِمَا تبذله من جهود في حفظ الأمن والاستقرار وصون مكتسبات الوطن. كما أسهمت في ابتكار أدوات وتقنيَّات حديثة، والاستثمار الأمثل في التحوُّل الرَّقمي والتقنيَّات الذكيَّة، بما رفع كفاءة الأداء، وعزَّز الإنتاجيَّة، وحقَّق حضورًا نوعيًّا في جودة الخدمات الشُّرطيَّة، وسرعة الاستجابة، وكفاءة اتِّخاذ القرار.

وانعكس هذا النهج المؤسَّسي على تعميق قِيَم المواطنة، وتعزيز الحسِّ الوطني، وترسيخ الولاء والانتماء، حتى غدت الممارسة الشُّرطيَّة في مختلف مجالاتها شريكًا أصيلًا في بناء الإنسان العُماني، وتعزيز ثقته بمؤسَّسات الدولة، وتقديره لمنجزاتها. ولم تَعُد الهُوِيَّة العُمانيَّة مجرَّد إطار فكري أو مفهوم نظري، بل تحوَّلت إلى برنامج عمل وسلوك مؤسَّسي ومُجتمعي مستدام، يتجسد في ممارسة المواطن لمسؤوليَّاته، والتزامه بالقانون، وحُسن استخدامه لمنصَّات التواصل الاجتماعي، وإسهامه في حماية منظومة القِيَم والأخلاق والسَّمْت العُماني الأصيل؛ لِتصبحَ الهُوِيَّة الوطنيَّة خيار قوَّة ومساحة أمان، ونهضة وعي، واستراتيجيَّة حياة يوميَّة، وثقافة مواطنة راسخة، وممارسة واعيَّة تتجسد في مختلف مواقع العمل والمسؤوليَّة.

وفي ظلِّ التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، تواصل شُرطة عُمان السُّلطانيَّة تطوير أدواتها المؤسَّسيَّة، وترسيخ مبادئ الحوكمة، والشفافيَّة، والالتزام، والتكامل المُجتمعي، والاستثمار الأمثل في التقنيَّات الحديثة، بما يُعزِّز كفاءة الأداء وجودة الخدمات، ويرسِّخ الثقة المُجتمعيَّة بمنجزاتها. ومن خلال ما تضطلع به من مسؤوليَّات في تنفيذ قانون الجزاء، وقانون المرور، وقانون المخدّرات، وقانون الأحوال المَدنيَّة، وغيرها من القوانين النافذة، إلى جانب جهودها في الوقاية من الجريمة، ومواجهة الظواهر السلبيَّة، وتطوير منظومة الضبطيَّة الشُّرطيَّة، تظلُّ شريكًا وطنيًّا في حماية الهُوِيَّة وتعزيز مُقوِّماتها.

أخيرًا، تُمثِّل الهُوِيَّة العُمانيَّة في الممارسة الشُّرطيَّة مشروعًا وطنيًّا متجدِّدًا، لا يقتصر على المحافظة على الثوابت، بل يمتدُّ إلى تجسيدها سلوكًا يوميًّا وثقافةً مؤسَّسيَّة ومُجتمعيَّة تُعزِّز الولاء والانتماء، وتصون الأمن والاستقرار، وتُسهم في استدامة النهضة وتأصيل فِقه التنمية.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]