الثلاثاء 08 سبتمبر 2026 م - 26 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. الإتيكيت الاجتماعي ذوق ونظام ورصانة

فن الدبلوماسية .. الإتيكيت الاجتماعي ذوق ونظام ورصانة
الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 02:51 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

تتبارى المدارس الدبلوماسيَّة المتخصِّصة بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت حول أهميَّة الإتيكيت الاجتماعي، الذي يرفد المُجتمع بكافَّة تفرُّعاته الحكوميَّة والخاصَّة بكوادر كفؤة من علماء وخبراء بكافَّة التخصُّصات؛ وذلك بسبب تطبيق جميع مفردات وسِمات وأجندة الإتيكيت الاجتماعي بكفاءة عالية. وبالعكس ـ لا سمح الله ـ نلمس أن هذا المُجتمع أو ذاك بعيد كل البُعد عن كفاءة العمل، بل وتنتشر فيه الآفات الاجتماعيَّة، ويكون مُجتمعًا استهلاكيًّا.

أنا شخصيًّا أعرّف الإتيكيت الاجتماعي بأنَّه: هو نظام صارم ضد كل شيء غير أُصولي وأخلاقي ودِيني، وهو الذَّوق الرفيع، والأخلاق الرصينة، وكفاءة استغلال الوقت بأفضل ما يكون، وتربية مبنيَّة على السُّمو والتواضع وحُب الغير، والابتعاد عن الأنانيَّة وحُب الذَّات، وفن التعامل مع الآخرين بأعلى درجات المَحبَّة والتعاون والإخاء، وبعيدًا عن التخندق الدِّيني والمذهبي، والابتعاد عن العنصريَّة والتعصُّب بسبب اختلافات الطبائع والسلوكيَّات والتصرفات غير المحسوبة، والحث على الاهتمام بغرس صفات القيادة والإدارة وكفاءة العمل والإنتاج لكافَّة أفراد الأُسرة؛ لكي يكونوا نواة المُجتمع المزدهر، والاهتمام بفنِّ الاستماع للغير وعدم المقاطعة، والمناقشة الهادئة ذات الجوهر المضيء والهدف المرسوم، وإن كان هناك عدم توافُق بالآراء، والحرص على حُب الناس ومساعدتهم والنزول معهم لتحقيق رغباتهم المشروعة، وإنشاء جيل راقٍ متسلح بأحدَث المعلومات والطفرات التكنولوجيَّة المطلوبة، والابتعاد عن استخدام وسائل التواصل ذات الطابع الصوري الذي فيه مضيعة للوقت واستهلاك للعصف الذهني الذي لا تُحمد عقباه. ربُّ الأُسرة (الزوج والزوجة) هما الخيمة والعمود لأفراد الأُسرة، وهما نواة المُجتمع، ومثال يقتدي به الأطفال. ونحن الآن بأشدِّ الحاجة هذه الأيَّام إلى الاهتمام والعودة إلى التعامل الأُسري والعائلي المتماسك، بالتعامل الرَّاقي والذَّوق والسُّلوك الحَسَن الأصيل المبني على دِيننا الحنيف والسِّيرة النبويَّة الشريفة، والسَّمْت العُماني الأصيل والعادات العربيَّة العريقة. وهذا ما يؤكد عليه دومًا والدنا ومولانا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه»، بالاهتمام بالموارد البشريَّة والأُسرة التي يزدهر بها الوطن ومكتسباته، وغرس المستوى العملي والعلمي والثقافي والأكاديمي في المقام الأول؛ لأنها جزء أساس من مرتكزات النهضة الحديثة، والمتابعة اليوميَّة الدقيقة لجميع أفراد الأُسرة والتعامل معهم بلُطف واحترام، وعدم التمييز بين بعضهم بعضًا، وحث جميع أفراد العائلة على الإبداع بكفاءة، والابتعاد عن الروتين والأعمال والأهداف الكلاسيكيَّة. لذلك نرى اليابان تميَّزت بعد الحرب العالميَّة الثانية باختراعات غزت العالم، بالرغم من عدم وجود موارد ومنتجات نفطيَّة وموارد أخرى لديها، إلَّا أنَّهم أبدعوا بالاختراعات، وتسابقوا مع الزمن بكفاءة عالية ضمن خطط تكتيكيَّة، يكادون يربطون الليل بالنهار لإثبات الذَّات والعصف الذهني، وجعلوا وطنيَّتهم وإخلاصهم للعمل مرتبطيْنِ بكفاءة الإنتاج والاكتفاء الذَّاتي لجميع مفردات الحياة، ولديها الآن أكبر فائض تجاري بالمنطقة.

وكذلك نرى ـ على سبيل المثال ـ ألمانيا بعد الحرب العالميَّة الثانية والخسائر الكارثيَّة بجميع أنواع البنى الأساسيَّة. بدأت بوضع الخطط الاستراتيجيَّة، والاهتمام أولًا بالإتيكيت الاجتماعي، والنهوض بالأُسرة، وتربية جميع أفرادها، والتعافي من الحالة النفسيَّة بسبب مآسي الحرب ومخلَّفاتها لجميع شرائح المُجتمع الألماني، وما حدَث من فقدان القريب والصَّديق. وهذه الخطط كانت مبنيَّة بصورة دقيقة وأكاديميَّة، معتمدة على عِلم النفس الاجتماعي، وكيفيَّة دعم الموارد البشريَّة والنهوض بالبلد. والآن ألمانيا أيضًا لديها أكبر فائض تجاري بالاتحاد الأوروبي، بالرغم من عدم وجود منتجات أو موارد نفطيَّة لديها؛ حيث نفَّذت سِمات الإتيكيت الاجتماعي بدقَّة عالية لتجاوز المِحن.

إنَّ الإتيكيت الاجتماعي يضيف كثيرًا إلى الإتيكيت الحكومي؛ حيث يرفده بكفاءات ترعرعت على حُب الوطن والإبداع والإتقان ومهارة التخطيط والتنفيذ بإدارة الوقت ضمن مبادئ ونظريَّات التكتيك والاستراتيجيَّة. وعكس ذلك، نرى الحكومات تصرف الملايين من ميزانيَّتها لمكافحة الآفات الاجتماعيَّة، مثل المخدّرات وغيرها، بسبب عدم الاهتمام بمفردات الإتيكيت الاجتماعي.

في الختام، نحن البشر لم نُخلق لِنكونَ قادة أو أطباء أو مهندسين أو رؤساء تنفيذيين أو وزراء أو حتى موظفين؛ لذلك بدأت المدارس الدبلوماسيَّة البريطانيَّة المتخصِّصة بفنِّ الدبلوماسيَّة، وبالتعاون مع الكليَّات والجامعات المتخصِّصة بعِلم النفس الاجتماعي، بعد الحرب العالميَّة الثانية، بالاهتمام بالإتيكيت الاجتماعي لرفع معنويَّات المواطن لغرض البدء بحياة جديدة مفعمة بالحماس. وبالتَّالي، فهو يُعَد النواة والحجر الأساس للإتيكيت الحكومي، بالإضافة إلى كونه ينظِّم طريقة تواصل الجمهور من الأفراد والعوائل بعضهم مع بعض في المُجتمع. وهو يهدف إلى إظهار السُّلوك الرَّاقي المهذَّب للفرد أمام الجميع، وإظهار كل الصِّفات الحَسنة من الاحترام واللباقة واللياقة والتواضع والإبداع والتفاعل في التعامل مع الآخرين، سواء في الفعاليَّات الرسميَّة أو الاجتماعيَّة. وهو جزء لا يتجزأ من فنِّ الدبلوماسيَّة؛ لكونه يهتم بصقل وتهيئة الجميع للعمل بكفاءة عالية.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت