يا ولدي: عجبتُ من أمْرِك، فأراك تصلِّي وتطيل السُّجود والرُّكوع، وأراكَ جالسًا على سجَّادة الصَّلاة داعيًا مبتهلًا رافعًا كفَّيْك إلى الله متضرِّعًا لَهُ، فخفتُ عَلَيْك من الهَمِّ، خفتُ عَلَيْك أن تكُونَ قَدْ وقَعت في مُشْكلة لا خلاص مِنْها.
لا تعجب يا بني: فأنا مهما كنتُ قاسيًا عَلَيْك، أو كنتُ شديدًا حازمًا في تعاملي معَك، إلَّا أنَّني أراك بعَيْنِ الرَّحمة والمَودَّة، فقَلْبي يلازمك، يراقبك ويخشى عَلَيْك من مصائب الدَّهر، أمضيتُ اللَّيل قلقًا عَلَيْك، وأتساءل: ما بال فلذة كبدي؟! أتراه في همٍّ وضِيق، أتراه في قلقٍ؛ لأنَّه خائف من نتيجة الفحص الطبِّي الَّذي أجري لَهُ قَبل أيَّام؟ أم لأنَّه خائف قلقٌ من امتحانات نهاية العام الدِّراسي..؟ حِرتُ في أمري. وازداد قلَقي عَلَيْك!!!
أم أنَّ سجودك وخشوعك ودعاءك وتضرُّعك هو دعاء العبد الشكور الحامد لله المُنعِم الكريم على نِعمه الكثيرة والعظيمة، فتحمد الله على نعمة الأمن والأمان، ونعمة عدم حرمانك من الطَّعام والشَّراب كغيرك من الأطفال في بعض البلدان؟ أم على نعمة عدم اليُتم فأنت بَيْنَ أحضان والدَيْك؟ أم نعمة السَّلامة من الإعاقة فلَمْ يحرمْك الله لإحدى حواسِّك ولا قدرتك على الحركة، وقَدْ وهبَك الله عقلًا سليمًا سويًّا، وذكاءً وقَّادًا. وكَمْ أتمنَّى أنَّ سببَ خشوعك في الصَّلاة هو الحمد والشُّكر.
نعم يا ولدي: عجبتُ من حالك هذا، فلَمْ أعتَدْ مِنْك هذا الالتزام بالصَّلاة والخشوع فيها، والإطالة في السُّجود والرُّكوع، كَمْ كنتَ تنسَى موعد الصَّلاة فيسرقُك النَّوم مِنْها، وكَمْ فيلمًا يُعرض في جهازك (الآي باد) ألهاك عن صلاتك، وكَمْ احمرَّت يَدَا والدتِكَ وهي تطرُق باب غرفتك لِتوقظَك للصَّلاة. وكَمْ رأيتُك تصلِّي خلسةً لِتقضيَ صلوات فائتة لا يعْلَم عددَها إلَّا الله، أمَّا إن صلَّيْت فصلاتك سريعة كسرعة نَقْرِ الدِّيك، فكُنتَ تُسرع في الرُّكوع والسُّجود كسرعةِ الدِّيك في نَقْرِه. فأنتَ تؤدِّيها وكأنَّك في سباق، وكأنَّك تطمح لِلوصولِ لِرقمٍ قياسي فيمن يؤدِّي الصَّلاة في أقصرِ وقتٍ ممكنٍ. فلا تخشع أعضاؤك ولا مجال لِخُشوعِ قَلْبك.
يا ولدي: أخشى عَلَيْك أن تكُونَ ممَّن يجأرون إلى الله في الضرَّاء، وينسَوْن المُنعِم الكريم في السرَّاء، أخشى عَلَيْك أن تشملَك الآية الكريمة من سورة النَّحل (آية 53،54) حين قال المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ واصفًا المُشرِكين بالله الَّذين يستعينون بسواه (وما بكم من نِعمة فمن الله، ثمَّ إذا مسَّكم الضرُّ فإِلَيْه تجأرون، ثمَّ إذا كشَف الضرَّ عَنْكم إذا فريق مِنْكم بربِّهم يُشركون) فالله تعالى هو الَّذي أنعمَ عَلَيْنا كُلَّ النِّعم من صحَّة وعافية وهداية ورزقٍ وأمنٍ وأمان وغيرها من النِّعم فإذا ما أمِنَ الإنسان جانب الله واستقرار النِّعم بَيْنَ يدَيْه لَمْ يلجأْ إلى الله، والبعض يُشرك بالله سواه، أمَّا إذا ما أصابه ضرٌّ، أو ابتُلي بمجرَّد مسٍّ بسيط من الضَّرر في ماله أو في صحَّته أو نقصٍ في أيِّ نعمة من نعمه لجأ الإنسان إلى الله وظلَّ يرفع صوته لَهُ بالدُّعاء والاستغاثة، وقَدْ شبَّه الله هذا الصَّوت العالي بصوت الوحش. فمعنى جأَر في اللُّغة إذا ما رفع الوحش صوته، فشبَّه مَن يعلو صوته بالدُّعاء وقت الشدَّة وينسى الحمد والثَّناء لله وقت الرَّخاء والتنعُّم بالنِّعم بصوت الوحش. يا ولدي: كُن كما أنتَ الآن متضرِّعًا لله داعيًا لَهُ، شاكرًا لَهُ على نِعمه، فلا تنقطع صِلتُك بالله إذا ما انقضت حاجتك، وغرقت في نِعمه وأفضاله، فكُنْ عبدًا شاكرًا حامدًا لله في السرَّاء، وداعيًا وراجيًا لله في الضرَّاء؛ كَيْ لا تكُنْ ممَّن يجأرون إلى الله... ودُمْتَ يا ولدي سالمًا.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@