الأصوات تتعالى كُلَّ يوم على امتداد العالَم بأسْرِه، حتَّى في مختلف مُدُن الولايات المُتَّحدة وبريطانيا، وهي تطالب بوقْفِ العدوان الهمجي غير المسبوق على قِطاع غزَّة. والشَّعب الأردني الشَّقيق يمتلك الحصَّة الأكبر في التَّضامن مع فلسطين وشَعبها، فكانت الفعاليَّات اليوميَّة الَّتي لا تستهدف الأردن الشَّقيق على الإطلاق، بقدر ما تستهدف المطالَبة بوقفِ العدوان.
ولكن، للأسف بدأت بعض الأصوات غير المسؤولة، تُطلق كلامها على «عواهنه» دُونَ تدقيقٍ ودُونَ وعيٍ وإدراك لِطَبيعةِ المرحلة الحسَّاسة الَّتي يَمُرُّ بها الكفاح الوطني الفلسطيني في ظلِّ ما يجري من «محرقة وإبادة» للشَّعب العربي الفلسطيني في قِطاع غزَّة، وصولًا لِمُختلفِ مناطق الضفَّة الغربيَّة، الَّتي تستبيحها عصابات المُستعمِرِين بدَعْمٍ وإشرافٍ من جيش الاحتلال وأجهزته.
تلك الأصوات (وهي محدودة وعددها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة)، والَّتي لا أريد وصفها بنعوتٍ معيَّنة، وقَدْ بدأت من عمَّان، بالرّغم من الخِطاب السِّياسي المليء بالتعقُّل والحِكمة الَّذي أعلنَه خالد مشعل (أبو الوليد) مؤخرًا ومن عمَّان، حين قال: «الأردن بلد عزيز وهو الأقرب إلى فلسطين وهو الَّذي يُرتجى مِنْه أكثر من غيره في أدوار رجاله ونسائه نَحْوَ أرض الحشد والرباط». وأضاف قوله: «يا أهلنا في الأردن حذارِ أن نتراجعَ حذارِ أن نفترَ ولا نقول طال الصراع لأنَّه صراع مفروض عَلَيْنا، هذه الأرض أرضنا وهؤلاء أهْلنا وشَعبنا وهذه مقدَّساتنا». فالأردن، بأمْنِه واستقراره يَعنينا كما تَعنينا فلسطين تمامًا. والتحدِّيات كبيرة والخطر على قِطاع غزَّة مستمرٌّ، وعلى الحاضنة وعلى المقاومة والخطر على الأقصى مستمرٌّ.
لقَدْ أصاب أبو الوليد، في كلمته الَّتي ألْقاها في عمَّان أمام حشدٍ وافرٍ من النَّاس، وقَدْ قدَّم رسالة مَودَّة ومَحبَّة، وحرص تجاه الأردن والشَّعب الأردني. ونحن هنا، لَسْنا بوارد تبادل (ردٍّ) و(ردٍّ) مقابل يتعلَّق بما حصل من أقوال وما صدر مِنْها، إنَّما نُعيد تأكيد المؤكَّد بما يربط الشَّعبَيْن الشَّقيقَيْن بل (التوأم السِّيامي الواحد)، وهو أكبر من أن تؤثِّرَ عَلَيْه أيُّ هفواتٍ هنا أو هناك، وأيُّ أقوالٍ أو تصرفاتٍ قَدْ تحدُث، فالأردن في (بؤبؤ العَيْن).
إنًّ ما قاله، الأخ أبو الوليد، يُعبِّر عن موقف وطني عامٍّ، موقف يُعبِّر عَنْه أيضًا باسْمِ أولئك الَّذين يرابطون في ميادين الفعل ومقارعة الاحتلال على أرض فلسطين، في قِطاع غزَّة، بَيْنَ أبناء شَعبهم الَّذي صَنَعَ بصموده الاستثنائي وغير المسبوق في تاريخ حركات التحرُّر الوطني (أيقونة) تقترب من الأسطورة، الَّتي ستبقى مثالًا يُحتذى به من قِبل كُلِّ حُرٍّ في العالَم، وكُلِّ الشعوب الواقعة تحت نير الظلم والاستعباد.
وفي هذا الشَّأن، أرى من المناسب دومًا التَّأكيد على الثَّوابت الَّتي لَنْ يحيدَ عَنْها شَعبنا، وهي الثَّوابت المبدئيَّة، والثَّوابت الَّتي كرَّسها بعمله الدَّؤوب وخبرته الكفاحيَّة، والَّتي ترى دومًا أنَّ سلامة قضيَّة فلسطين وحمايتها من الاندثار وحماية الأقصى، ومنع التَّهجير لعموم مواطني الضفَّة الغربيَّة كما يطمع ويعمل عتاة المتطرِّفين في دَولة الاحتلال، هي من سلامة الأردن. إنَّ صوت العقل، والمصلحة الوطنيَّة الفلسطينيَّة الأردنيَّة، يبقى هو الصَّوت الأعلى والمُقرر، مهما وقَعت هزَّات خفيفة طارئة لأسبابٍ عرضيَّة من قِبل أفراد. ومن هذه الروحيَّة نبعت تصريحات أبو الوليد الأخيرة، والمسؤولة في عمَّان.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك