رابعًا: بروكسل «قلب أوروبا النابض».
«بروكسل»، إلى جانب أنها عاصمة الدولة البلجيكيَّة، تُعَدُّ كذلك مركزًا إداريًّا يضمُّ مؤسَّسات ومباني الاتحاد الأوروبي، ويُطلق عليها «محادثة»؛ لكونها بوتقةً تنصهر فيها الثقافات المتعدِّدة، وتجمع عمارتها بين الطابع التاريخي للقرون الوسطى وبذخ العصر الحديث. وتُسمَّى أيضًا «قلب أوروبا النابض» و«عاصمة الجمال الهادئ». ومن أبرز معالمها السياحيَّة: ساحة «جراند بلاس»، وجهة بروكسل وحاضرتها ومقصد السيَّاح إليها، تحكي تاريخ ازدهار العمارة في بلجيكا وبذخها وأناقة المباني وجمالها. فمن قلب الساحة يشعر السائر في طرقها وأزقَّتها بحالةٍ من الإدهاش والانبهار بعظمة القصور والعمارات الغنيَّة بالبذخ والإبداع في فنون العمارة، وهو يتنقل ببصره بين صروح قاعة المدينة، وكنيسة القديس ميخائيل، ودار العمديَّة، ومتاجر الشوكولاتة، وتمثال الطفل «مانيكن بيس»، والمتاحف الملكيَّة للفن والتاريخ بمجموع (5) متاحف تمتلك أثمن التحف ونوادر اللوحات الفنيَّة والقطع الأثريَّة والوثائق والمخطوطات عالية القِيمة، وهي مصنفةٌ ضمن مواقع التراث العالمي... الحافلة السياحيَّة في «بروكسل» أضافت اللُّغة العربيَّة ضمن لُغاتها الـ(14)، لخدمة السيَّاح وتقديرًا للعرب الذين يتوافدون سنويًّا إلى المُدن الأوروبيَّة للسياحة والتعليم والعمل والعلاج والاستجمام... تحدَّث التسجيل الإلكتروني، متناولًا جملةً من المحاور والملامح العامَّة، عن: أولًا: التقدير والتبجيل والحُب الذي يكنّه المُجتمع البلجيكي للعائلة، والكفاح لضمان تماسُكها؛ ثانيًا: الاهتمام بتقاليد الحياة البلجيكيَّة والحفاظ على جذورها وأصولها حيَّة في الشباب بتنظيم الفعاليَّات والأنشطة وتوظيف الدراما والبرامج لتحقيق هذا الهدف؛ ثالثًا: العمل سنويًّا على توفير مساحاتٍ لهواة رسم اللوحات الفنيَّة التي تضيف اللمسات الجماليَّة لبروكسل، وتحمل معاني عميقةً للثقافة المحليَّة؛ رابعًا: الجنائن والحدائق والمتنزَّهات، التي تقود بروكسل لتصبحَ الأوسع مساحةً في توفير الأراضي الخضراء وتحقيق سعادة الإنسان والاهتمام بصحَّته، وليتمكنَ من تنفُّس هواءٍ نقيٍّ؛ خامسًا: التعريف بتاريخ الشوارع والأحياء السكنيَّة والتجاريَّة والساحات والمباني التاريخيَّة، والأحداث والتحوُّلات التي مرَّت بها وثقافتها، والاستمرار في تحويلها إلى مناطق حضريَّة؛ سادسًا: التحوُّلات التاريخيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والأحداث الفاصلة التي شكلت بلجيكا كما هي عليه اليوم... مرورًا بقصر «العدل»، أحد أكبر قصور العالم ـ كما يقول المرشد ـ والذي يضمُّ محاكم بروكسل بدرجاتها وأنواعها، وشُيّد في القرن الـ(19) بـ(50) مليون فرنكٍ بلجيكيٍّ، وهو المبنى الأعلى تكلفةً في البلاد على الإطلاق. تضرَّر من الحرب العالميَّة الثانية، ويخضع للترميم منذ عام (1984)، ولم يتمَّ الانتهاء منه بعد. فيا للفخامة والأبهة والجمال! إنه وحشٌ عمرانيٌّ في حجمه يتهيبه المرء بمجرَّد أن يراه، أنيقٌ دقيقٌ بديعٌ في نقوشه وعمارته وقبَّته الذهبيَّة وتفاصيل صناعته ورخام أعمدته ومنحوتاته... مبنى «أتوميوم» يُعَد، هو الآخر، ذا شكلٍ معماريٍّ يحتشد بالغرائبيَّة والإبهار؛ وهو عبارةٌ عن مجموعةٍ من الكرات العملاقة، عددها (9)، يربط بعضها بعضًا أنابيب حديديَّة، ويتمُّ الانتقال إليها في مصعدٍ سريعٍ لمشاهدة المعارض المخصَّصة للعلوم والفن والتاريخ، والتقاط الصوَر التذكاريَّة المدهشة؛ والقصر الملكي، الذي يُعَدُّ رمزًا سياسيًّا وتاريخيًّا للنظام الملكي الدستوري في بلجيكا، ويضمُّ مكاتب الملك وأعضاء عائلته وكبار المسؤولين المرتبطين بمكتبه، وغرفًا للإقامة، وقاعات استقبال كبار الضيوف وتنظيم الحفلات والمآدب الملكيَّة، وتعود النواة الأولى لبنائه إلى القرن الـ(18)؛ وقصر المؤتمرات؛ وقصر الأكاديميَّات؛ والمكتبة الملكيَّة، التي افتُتحت في عام (1837)، وتضمُّ أكثر من (4) ملايين مجلدٍ من الكتب، بينها كتبٌ نادرةٌ وأثريَّة، إلى جانب وثائق وصوَر فوتوغرافيَّة؛ ومباني البلديَّة والأوبرا والكنائس الفخمة والمتاحف والمسارح... إنَّه التاريخ والثقافة والفن والإبداع وتقاليد الحياة وتحوُّلاتها، وروح الشَّعب ولمسات الجمال، والمعنى العميق المكتشف في كل التفاصيل، تنعكس بدقةٍ وثراءٍ وإلهامٍ وإعجابٍ في الشوارع والساحات والعمارة والأزقة والأحياء والنصب التذكاريَّة والرموز والمنحوتات... يعلق المرشد السياحي قائلًا: «صحيحٌ أننا لا نملك معالم حضاريَّة شبيهةً بالأهرامات وتاج محل، ولكن لدينا من الثقافة والفن والعلوم وشخصيَّاتها ما نعتز به ونفاخر العالم، من أمثال موريس ميترلينك، الفائز بجائزة نوبل في الأدب، وجورج سيمنون، الروائي المعروف، وإميل فيرهارين، أبرز شعراء بلجيكا، ورينيه ماجريت، الرسَّام العالمي، وجورج لومتر، وغيرهم كثير». وعرَّج إلى صناعات الشوكولاتة والبطاطس المقليَّة والبيرة والوافل ومستوطنات الصور المتحركة التي ارتبطت بالثقافة البلجيكيَّة... ويشير المرشد السياحي إلى أن السبب الرئيس لاختيار بروكسل عاصمةً ومقرًّا للاتحاد الأوروبي هو كونها مدينةً مركزيَّة، متعدِّدة اللُّغات والثقافات واللهجات، ومكانًا للتجمع الدولي؛ فهي الدولة الثالثة عالميًّا في استضافة مؤتمرات العالم... لُغةٌ تشويقيَّة أدبيَّة تسويقيَّة تعتز بالثقافة والمنجز البلجيكي. هكذا هي السياحة: تُقدِّم بلدًا وشَعبًا وتاريخًا وثقافةً ومنجزاتٍ عظيمةً للعالم عبر الحافلة السياحيَّة... وفيما كنَّا نتنقل في الأراضي البلجيكيَّة، استذكرت قراءاتٍ لي سابقةً حول ما سطَّره العُمانيون من صفحاتٍ مشرقةٍ في تاريخ نضالهم، وما قدَّموه من نماذج شامخةٍ وأسماء لامعةٍ وثَّقتها الذاكرة لقائمةٍ من القادة الكبار والشهداء العظام. عبَّرت بجلاءٍ عن الإباء والعزَّة والكرامة والشجاعة والبطولة والإرادة في الذَّود عن أوطانهم، والدفاع المستميت لِنَيْل الحريَّة وطرد المستعمر، والعيش الحُر الكريم، أو الموت بعزَّةٍ وشرفٍ. فكانت لهم صولاتٌ وجولاتٌ وكرٌّ وفرٌّ مع الفرس والبرتغاليين والبلجيك والألمان والبريطانيين في عُمان والخليج وشرق إفريقيا وأعالي البحار. سجلتُ وكتبتُ ونشرتُ في سلسلةٍ من المقالات إضاءاتٍ عنها. ومع «البلجيك» في «الكونجو»، قدَّم لنا سيدني لانجفورد هايند، الطبيب الإنجليزي في قوَّات دولة الكونجو الخاضعة لبلجيكا، في كتابه «سقوط عرب الكونجو»، عرضًا موسعًا لجهاد العُمانيين وشجاعتهم ونضالهم للدفاع عن بلادٍ عاشوا وعملوا وازدهرت تجارتهم فيها لأجيالٍ. ويُقدِّم الكتاب كذلك أدلَّةً على شراسة وقسوة وعنجهيَّة وهمجيَّة المستعمر الأوروبي، وعلى الرغم من ارتباط مؤلف الكتاب «الشخصي بالمصالح الغربيَّة وانحيازه الفكري والعملي لها...»، فإنه في المقابل يعترف بأنه لولا السيطرة البلجيكيَّة على «الكونجو»، لتمكَّن العرب العُمانيون من «تأسيس إمبراطوريَّة إسلاميَّة مشابهةٍ لدولة الخليفة في السودان»، ما يُؤكِّد قوَّة ونفوذ وتوسُّع العُمانيين في أعماق إفريقيا، وعلاقتهم الوطيدة بالسكان. فحمد بن محمد بن جمعة بن رجب المرجبي، المعروف بـ«تيبو تيب» ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ كان «يحكم ما يقرب من (30) إلى (40) ألف نسمة»، ووُصف بأنه كان «ملكًا غير متوجٍ لأراضٍ شاسعةٍ يرأس أتباعًا بالآلاف»، وخاض مع ابنه سيف معارك شرسةً لوقف الاستعمار البلجيكي، ولكن السلاح المتطور والخيانات وسياسات المستعمر المستندة إلى مبدأ «فرِّق تَسُد» حالت دون تحقيق ذلك الهدف النبيل... «يتبع».
سعود بن علي الحارثي