يُمثِّل القِطاع الصناعي أحَد المرتكزات الرئيسة لبناء اقتصاد وطني متنوِّع ومستدام؛ لِمَا يملكه من قدرة على تحويل الموارد إلى منتجات ذات قِيمة مضافة، وتوفير فرص العمل، ودعم الصادرات غير النفطيَّة. ومن هذا المنطلق، يكتسب التحوُّل النوعي الذي تشهده الصناعة العُمانيَّة أهميَّة كبيرةً، إذ ينتقل القِطاع من التوسُّع في أعداد المنشآت وحجم الإنتاج إلى بناء منظومة أكثر ارتباطًا بالتقنيَّات الحديثة، وسلاسل التوريد المحلِّيَّة، والكفاءات الوطنيَّة، وذلك وفق مستهدفات الاستراتيجيَّة الصناعيَّة (2040). وقد بلغت مساهمة الصناعات التحويليَّة في الناتج المحلِّي الإجمالي، بالأسعار الثابتة، نحو (3.7) مليار ريال عُماني بنهاية عام (2025)، فيما تستهدف الاستراتيجيَّة رفعها إلى (5.44) مليار ريال بحلول عام (2030)، ثم إلى (10.702) مليار ريال في عام (2040).
ولعلَّ أهميَّة التحوُّل تظهر في توسيع أثر النشاط الصناعي داخل الاقتصاد الوطني؛ فالمصنع يرتبط بمنظومة واسعة من الأنشطة، تشمل النقل، والتخزين، والتعبئة والتغليف، والصيانة، والمختبرات، والسَّلامة، والبرمجيَّات، والخدمات الهندسيَّة، ما يفتح فرصًا أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة والمورِّدِين المحلِّيين، ويزيد نسبة القِيمة التي تبقى داخل الاقتصاد. لذا، تُمثِّل خطط توطين الصناعات ذات الأولويَّة، وزيادة المحتوى المحلِّي، وإحلال الواردات مسارًا أساسيًّا لتنمية القِطاع، خصوصًا مع اختيار (30) نشاطًا صناعيًّا واعدًا في مجالات الصناعات الغذائيَّة، والبتروكيماويَّة، والصحيَّة، والمعادن، والصناعات الكهروميكانيكيَّة، والبيئيَّة، والطاقة المُتجدِّدة؛ بهدف إقامة منظومات مترابطة تجمع المنتِجِين، والمورِّدِين، ومقدِّمي الخدمات.
ويُعزِّز التحوُّل نحو الصناعة الذكيَّة قدرة المنشآت العُمانيَّة على رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين الجودة، وخفض الهدر والتكاليف، من خلال الأتمتة، والذَّكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والصيانة التنبؤيَّة، وإدارة سلاسل الإمداد. وقد اكتمل تقييم (45) مصنعًا ضمن برنامج مصانع الإنتاج الذَّكي حتى نهاية يونيو (2026)، فيما يعمل برنامج «كفاءة» للتصنيع الرشيق على تحسين العمليَّات، وتحقيق وفورات ماليَّة للمصانع المشاركة. ويقترن هذا المسار بضرورة تأهيل الكفاءات الوطنيَّة لشغل الوظائف الفنيَّة والتخصُّصيَّة، خصوصًا أنَّ الاستراتيجيَّة تستهدف رفع عدد العاملين في القِطاع من نحو (240) ألف عامل بنهاية عام (2025) إلى (273) ألفًا بحلول عام (2030)، ما يستدعي مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات الصناعة الحديثة.
إنَّ نجاح الاستراتيجيَّة الصناعيَّة يُقاس بقدرة القِطاع على تنمية القِيمة المضافة المحلِّيَّة، وزيادة المشتريات من المورِّدِين العُمانيين، وتوفير الوظائف النوعيَّة، ورفع الصادرات، وتعزيز تنافسيَّة المنتج الوطني. وقد بلغت الصادرات السلعيَّة غير النفطيَّة (2.739) مليار ريال عُماني حتى نهاية مايو (2026)، فيما تستهدف الاستراتيجيَّة تجاوزها (10) مليارات ريال بحلول عام (2030). ويتطلب تحقيق هذا الطموح استمرار الشراكة بين الحكومة، والقِطاع الخاص، والمستثمرين، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي، والبنية الأساسيَّة، والمناطق الاقتصاديَّة، والحوافز الاستثماريَّة؛ لبناء صناعة مستدامة وذكيَّة، وقادرة على الابتكار والتصدير، بما يرسِّخ مكانة سلطنة عُمان مركزًا صناعيًّا ولوجستيًّا واستثماريًّا فاعلًا في المنطقة، ويدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، ويُعزِّز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيِّرات العالميَّة.