وقَّع الطرفان الإيراني والأميركي في إسلام آباد مذكرة التفاهم من (14) نقطة، على أن يتمَّ التعهد بالالتزام بها، والتفاوض حول تفاصيلها؛ ليتمَّ صياغة اتفاق نهائي ينبثق من تلك المذكرة، إلَّا أن الواقع الذي تلا ذلك هو اتهامات متبادلة أدَّت إلى استئناف وعودة الضربات الأميركيَّة والرد الانتقامي من قِبل إيران، والتي طالت هذه المرَّة البنية الأساسيَّة في إيران ودول الخليج، والتهديد المتبادل بتوسيع تلك المواجهة، فجاء التدخل العُماني كالمعتاد ليصبَّ الماء على النار المشتعلة، ويؤجِّل بشكلٍ مؤقت مواجهة أوسع نطاقًا يؤمل أن يتمَّ البناء عليه للوصول إلى صيغة سياسيَّة تعيد الثقة بين الطرفين، وتشعرهما بالحقائق الميدانيَّة التي يجب الانصياع لها قبل أن تحل الكارثة على الجميع.
النقاط (5)، و(6)، و(8) الواردة بمذكرة التفاهم ربَّما تُمثِّل مسمار جحا الذي يعرقل إتمام صفقة التفاهم والاتفاق. وسنبدأ بذكر تلك البنود ثم نستعرض إشكاليَّتها لدى الجانبين، حيث ورد في البند الخامس من المذكرة ضمان الملاحة في مضيق هرمز، حيث ينص البند على أن إيران بمجرد توقيع المذكرة تلتزم ببذل أقصى جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجاريَّة من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس، دون فرض أيِّ رسوم لمدَّة (60) يومًا، كما تبدأ حركة الملاحة فورًا، على أن تُستكمل إزالة الألغام والعوائق العسكريَّة والفنيَّة خلال (30) يومًا، وبعد ذلك تدخل إيران في حوار مع سلطنة عُمان وبقيَّة الدول المطلة على الخليج لتحديد آليَّة الإدارة المستقبليَّة والخدمات البحريَّة في مضيق هرمز بما يتوافق مع القانون الدولي وحقوق الدول الساحليَّة، ولا شك أن أهميَّة هذا الملف تكمن في فتح أحد أهمِّ الممرات البحريَّة في العالم، كما يمنح سلطنة عُمان دورًا رئيسًا في صياغة الإدارة المستقبليَّة للمضيق، لكن الإشكاليَّة تفجرت من هنا حول إثارة موضوع الرسوم، حيث إن عبارة «دون رسوم لمدَّة (60) يومًا فقط» أثارت تكهنات حول ماهيَّة الرسوم، وهل ستكون الرسوم على بعض الخدمات البحريَّة التي سوف تناقش لاحقًا ضمن الاتفاق النهائي؟ تبع ذلك تصريحات متصاعدة من قبل الرئيس الأميركي والحديث عن مسارين شمالي وجنوبي، وهنا كان ينبغي استدراك الحقائق الميدانيَّة في المضيق والظرف الأمني الراهن، وأهميَّة تمرير ورقة المضيق دون تشويش التصريحات الإعلاميَّة، وتصاعد الأمر ليتمَّ غلق المضيق مجددًا، والذي أدَّى إلى تفجير الأوضاع. وأعتقد هنا أن البند كان واضحًا بفتح المضيق على مصراعيه دون أيِّ تشويش أو حرب تصريحات إعلاميَّة عصفت بثمار جهود الوسيطين الباكستاني والقطري، وبعد انقضاء الـ(60) يومًا يمكن للجنة العُمانيَّة ـ الإيرانيَّة إيجاد صيغة تُمثِّل وثيقة تاريخيَّة لإدارة المضيق بالتنسيق مع الدول والشركات العابرة بما يتفق مع القانون الدولي.
والبند السادس في مذكرة التفاهم هو: خطَّة إعادة إعمار إيران، حيث تتعهد الولايات المُتَّحدة بإعداد خطَّة لا تقلُّ قِيمتها عن (300) مليار دولار لإعادة إعمار إيران ودعم تنميتها الاقتصاديَّة، كما تتعهد بمنح التراخيص والإعفاءات اللازمة لإتمام المعاملات الماليَّة المرتبطة بهذه الخطَّة، على أن تُستكمل آليَّة التنفيذ خلال (60) يومًا ضمن الاتفاق النهائي، وهنا أيضًا تتُمثِّل معضلة استراتيجيَّة لدى الإدارة الأميركيَّة من حيث الكم والنوع، ومن حيث المنظور السياسي في جوهر الإعمار ومعنى التعويض في حالات السلم والحرب وما تُمثِّله لدى الرأي العام الأميركي والدولي. ولا شك أن التعويض أو الإعمار يُعَدُّ أكبر حافز اقتصادي لإيران، يهدف إلى تعويض جزء من الأضرار الاقتصاديَّة التي خلفها الصراع والعقوبات، كما أنه لا يعني أن الولايات المُتَّحدة وحدها ستدفع الـ(300) مليار دولار، بل إن الخطَّة ستنفذ بالشراكة مع دول وشركاء إقليميين، لكن الشيطان هنا يكمن في التفاصيل، والحديث عن أرقام معيَّنة تُمثِّل حالة فشل استراتيجي وهزيمة كبرى تتعرض لها القوَّة العالميَّة، وعليه فإنّ الإفراج عن الأصول والأموال المجمَّدة الإيرانيَّة أولًا أجدى، ثم يأتي الحديث لاحقًا عن خطَّة الإعمار دون إحداث ضغط سياسي على صيغة الاتفاق، وجعل الإيفاء بهذا البند يقابله وفاء إيران بالبند الثامن (الملف النووي)، ومعالجة البندين السادس (خطَّة الإعمار والتعويضات) والثامن (النووي) بشكل متزامن في نهاية مراحل الاتفاق، وهنا تضمن تنفيذ البنود الأخرى:
ـ احترام سيادة كل دولة ووحدة أراضيها.
ـ الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخليَّة للطرف الآخر.
ـ بدء مفاوضات شاملة خلال مدَّة محدَّدة (60 يومًا قابلة للتمديد باتفاق الطرفين).
ـ إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز وضمان حريَّة العبور.
ـ وضع جدول زمني لرفع العقوبات الأميركيَّة والدوليَّة المتعلقة بالاتفاق.
البرنامج النووي الإيراني الذي ورد في البند الثامن، حيث يتعين تأكيد تعهد إيران بأنها لن تسعى إلى امتلاك أو تطوير سلاح نووي، وفي المقابل يتفق الطرفان على وضع آليَّة للتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب تحت إشراف الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة، بما في ذلك خفض نسبة التخصيب للمخزون، مع استمرار التفاوض حول احتياجات إيران النوويَّة السلميَّة وقضيَّة التخصيب ضمن الاتفاق النهائي، وللعلم فإنّ هذا البند لا يلزم إيران بالتخلي عن البرنامج النووي السلمي، وإنما يركز على منع امتلاك السلاح النووي، مع ترك تفاصيل مستويات التخصيب والرقابة وآليَّة التصرف في المخزون الحالي للمفاوضات النهائيَّة، وهنا أقترح مقايضة الملف النووي بملف التعويضات للوصول إلى تفاهمات مستقبليَّة تسهل تنفيذ بقيَّة البنود الأخرى الممكنة، على أن يتمَّ معالجتها لاحقًا بصفة منفصلة؛ لأن الأهم اليوم هو وقف المواجهة التي سوف تدمر مصالح الجميع، ولن تبقى حكرًا على الطرفين، وهنا فإن استدراك الحقائق الميدانيَّة والسياسيَّة والمستقبليَّة لمصالح الولايات المُتَّحدة وإيران والمنطقة عمومًا تقتضي الانصياع للواقع الخطير الراهن للأمن والسِّلم الدولي، وهنا نتمنى من دبلوماسيَّة إنقاذ الموقف العُمانيَّة، التي تدخلت في اللحظات الحرجة لإنقاذ الموقف، أن تستكمل مسارها في تحقيق السَّلام والاستقرار، والوصول إلى صيغة معيَّنة تضمن تهدئة أطول، مع البدء في تنفيذ البنود المتفق عليها للحفاظ على الأمن والاستقرار في الإقليم والعالم.
خميس بن عبيد القطيطي