الاثنين 03 أغسطس 2026 م - 19 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

ما بعد مضيق هرمز.. كيف يعيد الخليج صياغة مستقبله الاقتصادي؟

ما بعد مضيق هرمز.. كيف يعيد الخليج صياغة مستقبله الاقتصادي؟
الأحد - 02 أغسطس 2026 05:03 م

د. يوسف بن خميس المبسلي

20

منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأميركيَّة وإيران في فبراير (2026)م، دخلت المنطقة مرحلةً جديدةً من عدم اليقين الجيوسياسي، انعكست آثارها بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي. ويكتسب هذا الصراع أهميَّة استثنائيَّة؛ لارتباطه بمضيق هرمز، أحَد أهمِّ الممرَّات البحريَّة الاستراتيجيَّة في العالم؛ إذ يمرُّ عبره نحو (20%) من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًّا، وتتَّجه غالبيَّة صادراته إلى الأسواق الآسيويَّة، إلى جانب اعتماد عدد من الأسواق الأوروبيَّة والأميركيَّة على جزء من هذه التدفقات.

وقد أدَّى التصعيد العسكري إلى تراجع حركة الملاحة عبر المضيق بصورة حادَّة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، واضطراب سلاسل الإمداد العالميَّة، فضلًا عن تعرُّض بعض منشآت الطاقة في المنطقة لأضرار مباشرة، كما امتدَّت تداعيات الأزمة إلى قطاعات النقل والطيران والسياحة والتجارة الدوليَّة، ممَّا أدَّى إلى زيادة الضغوط التضخميَّة وارتفاع تكاليف الإنتاج والتصنيع، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يتعافى من أزمات متلاحقة.

وتزداد المخاوف مع احتمال امتداد التوترات إلى مضيق باب المندب، وهو ما قد يضاعف الضغوط على التجارة العالميَّة ويزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، ولم تَعُد الأزمة مجرد تحدٍّ يتعلق بإمدادات النفط، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع المخاطر الجيوسياسيَّة المتزايدة، ومدى جاهزيَّة الدول لتأمين تدفقات التجارة والطاقة عبر ممرَّات أكثر أمانًا واستدامة، وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فقد تأثرت بدرجات متفاوتة تبعًا لاعتماد كل دولة على الإيرادات النفطيَّة، وحجم احتياطيَّاتها الماليَّة، ومستوى تنوع اقتصادها، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى تباطؤ النُّمو الاقتصادي في المنطقة نتيجة استمرار حالة عدم اليقين، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع الصادرات النفطيَّة، وفي المقابل، قد يوفِّر ارتفاع أسعار النفط دعمًا ماليًّا مؤقتًا لبعض الدول، إلَّا أن هذه المكاسب تظل مرتبطة باستمرار الأزمة، ولا تمثل أساسًا مستدامًا للنُّمو الاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، تواجه دول الخليج تحدِّيًا استراتيجيًّا آخر لا يقلُّ أهميَّة عن التوترات الجيوسياسيَّة، يتمثَّل في التحوُّل المتسارع الذي يشهده قطاع الطاقة العالمي؛ إذ تتوقع وكالة الطاقة الدوليَّة أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته قبل عام (2030م)، مدفوعًا بالنُّمو السريع في استخدام المَركبات الكهربائيَّة، وتحسُّن كفاءة استهلاك الطاقة، وتسارع الاستثمارات في الطاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح، وتشديد السياسات البيئيَّة في الاقتصادات الكبرى. ويعني ذلك أن اقتصادات الخليج لم تَعُد تواجِه فقط مخاطر تعطل صادرات النفط بسبب الأزمات الجيوسياسيَّة، بل أيضًا تحدِّيًا طويل الأجل يتمثَّل في تباطؤ نمو الطلب العالمي على النفط، وهو ما يفرض تسريع جهود التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطيَّة.

في الحقيقة، تُمَثِّلُ هذه التحوُّلات فرصةً استراتيجيَّة لدول الخليج لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادي. فقد دفعت الأزمة الحاليَّة الحكومات إلى تسريع الاستثمار في البنية الأساسيَّة، وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستيَّة، وتنويع منافذ تصدير الطاقة، وتعزيز إسهام القطاعات غير النفطيَّة، مثل الصناعة، والخدمات، والسياحة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرَّقمي. كما أصبح الاستثمار في الابتكار والاقتصاد القائم على المعرفة عنصرًا رئيسًا لتعزيز القدرة التنافسيَّة وخلق مصادر جديدة للنُّمو.

ولم تَعُد المرونة الاقتصاديَّة تقاس بحجم الاحتياطيَّات النفطيَّة أو الفوائض الماليَّة فحسب، بل بقدرة الدول على إدارة المخاطر، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير سلاسل إمداد أكثر كفاءة، وبناء بيئة استثماريَّة قادرة على التكيُّف مع المتغيِّرات العالميَّة. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسيَّة قد يفرض على الحكومات زيادة الإنفاق على الأمن والدفاع، وتطوير البنية الأساسيَّة البديلة، ودعم استمراريَّة الأعمال، الأمر الذي يجعل كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع الإيرادات غير النفطيَّة، والحفاظ على الاستدامة الماليَّة، أولويَّات لا غنى عنها.

ومن المرجح أن تُمَثِّلُ الأزمة الحاليَّة بداية مرحلةٍ اقتصاديَّة جديدةٍ تمتدُّ لسنوات، يُعاد خلالها رسم خرائط التجارة والطاقة والاستثمار، وتتنافس الدول على تطوير ممرات تجاريَّة أكثر أمانًا، وتنويع سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على الممرَّات البحريَّة مرتفعة المخاطر. وفي هذا السياق، تمتلك دول الخليج فرصةً حقيقيَّة لتحويل التحدِّيات إلى مكاسب استراتيجيَّة، مستفيدةً من موقعها الجغرافي، وقدراتها اللوجستيَّة، وإمكاناتها الاستثماريَّة.

إنَّ التحدِّي الحقيقي أمام دول الخليج لم يَعُد يقتصر على إدارة تقلُّبات أسعار النفط أو مواجهة الأزمات الجيوسياسيَّة، بل يتمثَّل في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونةً واستدامةً، قادر على المنافسة في عالم يتَّجه بخُطى متسارعة نحو اقتصاد منخفض الكربون وأكثر اعتمادًا على الابتكار والتكنولوجيا. والدول التي تنجح في استثمار هذه المرحلة لبناء اقتصاد متنوع، وتعزيز أمنها الاقتصادي، ستكون الأكثر قدرةً على الحفاظ على تنافسيَّتها واستدامة نُموها في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

د. يوسف بن خميس المبسلي

كاتب وأكاديمي عماني