في الماضي القريب، كان الإنسان يعيش في القرية والحلَّة والحارة، في تجمُّع بدوي وحِرفي ورعوي، في الصحراء وسفوح الجبال وقممها، في الريف والشاطئ وفي المدينة.. بين آبائه وإخوانه وأعمامه وعمَّاته وخالاته وأخواله وبنيهم وجيرانهم، فيستمر التواصل والعلاقات والعمق المعرفي بينهم لأجيال وقرون من الزمن، محاطًا بيته بمنازلهم؛ يشاركهم أنَّاتهم، ويقاسمونه مباهجه وابتساماته. يعيش حياة طبيعية بسيطة في كل شيء، خالية من التعقيد والمماراة والحسد والأنانيَّة والتباهي والتزلف.. إلَّا بالقدر الذي يعكس طبيعة الاختلاف بين إنسان وآخر، ومحتوى تقاليد المُجتمع وأعرافه، وأواصر التعاون والعلاقات، في ظهور عفوي ومشاعر صادقة مفهومة في دلالتها ومعانيها ومقاصدها من الجميع. وكل فرد يفهم الآخر ويستوعب سلوكه وأساليبه في التعامل، وإن كان فيها ما يزعج وينفر... وتتسم العلاقة بين الأفراد في هذه البيئة القريبة من المثاليَّة، المعبِّرة عن حقيقة الإنسان وروحه النقيَّة الصَّافية، بالوضوح والشفافيَّة والثقة والطمأنينة، في المعاملات والمناسبات والعلاقات وتبادل الأحاسيس، وفي جميع أنماط الحياة، وتقبُّل الآخر مثلما هو عليه برحابة وسُمو ونُبل... الجميع في هذه السلسلة المترابطة والمتحابة، رغم التفاوتات والدرجات البسيطة بين شخصيَّاتها الذين يُشكِّلون المُجتمع الصغير، يدركون موقع الفرد فيه ومكانته، وما يتميَّز به من صفات أخلاقيَّة وخَلقيَّة وعلميَّة وعمريَّة تحفظ له التقدير والاحترام والاهتمام، التي تخلو من الغلو والتملق والتعصب والمصلحة. في هذه البيئة الأُسريَّة المترابطة المتكاملة المتحابة، يقوم الفرد، في نماذج وأمثلة ومواقف لا حصر لها، مقام المجموع في خدمة المُجتمع وإصلاح البيئة اجتماعيًّا وماليًّا وتعليميًّا وتثقيفيًّا ووعيًا.. في تربية النشء وتقويم الأبناء والتَّوجيه وتقديم النصح والمشورة والإقراض، يقف الجميع متماسكين متكاتفين، يشدُّ الواحد منهم عضد الآخر، مساهمين بما يملكون من مال وكلمات لطيفة طيبة وزيارات مكثَّفة وتعزيز وتشجيع.. يخففون من وقع المصاب والرزء والمُشْكلة والفجيعة والغياب، ممَّا يستدعيه ويحتاج إليه الظرف من تآزر ورعاية أفراد أُسرة المسافر والفقير المدقع والميت، والرافض المتأفف المخالف ـ استثناءً ـ لهذه الأعراف والتقاليد والثوابت التي أُقرَّت ونمَت وتطوَّرت على مدى قرون من الزمن، بمقاصدها النبيلة وأهدافها عالية القِيمة التي تبتغي تحقيق مصالح المُجتمع وتعزيز التعاون بين أفراده، في أجواء مشبعة بمشاعر الطمأنينة والإحساس بالأمن والاستقرار والصحَّة النفسيَّة... يصبح منبوذًا من مُجتمعه إلى أن يثوب إلى رشده. متطلبات واحتياجات المُجتمع في هذه البيئة الملمومة والمترابطة محدودة متواضعة، تقتصر على الغذاء والكسوة والمسكن والعلاج الشَّعبي والتعليم المحقق لقدرات القراءة والكتابة، والتعامل مع الحياة واحتراف مهنة يعتاش منها الفرد وأُسرته... وهي إجمالًا تُصنع وتُهيَّأ ويُنتجها محليًّا، أو عبر تبادل اقتصادي مع مُجتمعات وأسواق أخرى، وتعلُّم المهارات والخبرات في مجالات متعدِّدة.. في هذه البيئة تخفت، ولا تكاد تُرى، مشاعر الأحقاد والكراهية والنفاق وغيرها من الأمراض التي يقف وراء ظهورها واستشرائها صف طويل من الأسباب والمحفِّزات المرتبطة بالمال والمنافع الذاتيَّة، وجشع لا تحدُّه حدود، ومظاهر برَّاقة في الشكل خاوية من المضمون. خلقتها، في الأساس، تحولات عميقة وطفرات متسارعة نقلت المُجتمعات من البساطة التي وصفها المقال ومهَّد لها إلى تعقيدات وتشابكات في العلاقات والقِيَم والمعاملات، انقلبت فيها المفاهيم والتقاليد وروح الحياة وإنسانية الإنسان رأسًا على عقب. فلم يَعُد الشيء على حاله كما كان، لدرجة أن الجيل الواحد لم يَعُدْ قادرًا على اللحاق بعجلة التقدم، ولا على فهم الكثير من متطلبات هذا التحوُّل، ولا يمتلك الإجابة عن السؤال الأبرز، وهو: إلى أين تقودنا هذه التحوُّلات وفيضان الأخبار عن الاكتشافات ونتائج الاختبارات وبراءات الاختراع وإنجازات العِلم، وإنتاج الصناعات في مجال الصحَّة وشبكات الكهرباء والماء والاتصالات والذَّكاء الاصطناعي والتقنيَّات وبرامج «السوشيال ميديا» وزراعة الأعضاء البشريَّة، وفي علوم الفضاء والجينات الوراثيَّة وفك شفرات جسد الإنسان والتعرُّف التدريجي على أسرار الحياة وما تحتويه من عناصر وكائنات، وفي مجالات النقل ووسائله والسفر.. والتي ترافقها تحوُّلات عميقة في أنماط الحياة والتفكير والتقاليد وأساليب التربية ومناهج التعليم والعمل والقِيَم الثقافيَّة، والقدرة على فهم واستخدام هذه التقنيَّات والبرامج التي تتبدل وتتغير باستمرار، وتجعل الإنسان في حالة من القلق والإرهاق وعدم الاستقرار. فليس مستغربًا أن تشهد مفاهيم ومؤشِّرات الأُميَّة، هي الأخرى، انقلابات وثورات تستهدف عقل الإنسان وتحفِّزه وتحثُّه على التجاوب والتوافق والانسجام واستيعاب متطلبات واحتياجات التقدم؛ ليتمكن من التعامل معه وفهمه، والقدرة على التحرك والانطلاق في التعليم والعمل والسوق والمعاملات والبنوك والتنقل، بذات السرعة والنُّمو المرتبطين به... هذه التحوُّلات الهائلة قادت إلى التكالب والتنافس على الوظائف والمناصب، والتعامل مع فيضان هائل وتدفقات ضخمة من المعلومات والبيانات والأسرار والأخبار والتحليلات التي ترهق العقل والجسد، والتفاخر بالمال والمساكن والسيَّارات الفخمة، بل وحتى بوجبة أكل واحتساء فنجان قهوة في أرقى الفنادق والمطاعم والكافيهات التي أصبحت هي الأخرى موضة عصريَّة، وهذه التحوُّلات الكبيرة والانتقال من حياة البساطة إلى التعقيد والتقليد والجري السريع خلقت طبقات مُجتمعيَّة توسَّعت وتعمَّقت الفجوات بينها: طبقة فاحشة الثراء، وأخرى مدقعة في الفقر، وبينهما درجات، ونمت مشاعر الحسد والأحقاد والمنافسات الشرسة غير الشريفة وغير الأخلاقيَّة، وتجذَّرت أدوات ووسائل هذا الصراع التي لم تكن معروفة في ذلك المُجتمع البسيط المسالم والمتكاتف المتعاون. فحدثت القطيعة بين هذه الطبقات بعد أن علت الأسوار، وسُيجت القصور والفلل الفخمة بموانع وجدر وأبواب يستحيل اجتيازها، وتقطعت أوصال الجيران القدامى والأقارب بسبب هذه الطبقيَّة المقيتة، وتباعد المناطق والمواقع السكنيَّة، بعد أن أصبح للأغنياء وكبار المسؤولين مناطقهم الراقية في المركز، والفقراء في الهامش، والطبقات الوسطى بين بين. ففقد المُجتمع أجواء الأُسرة الكبيرة المتضامنة، ومعها الطمأنينة والاستقرار النفسي والسَّلام الداخلي وبساطة الحياة وتضامن الجيران والأقارب مع بعضهم، وحلَّ بدلًا منها القلق والشعور بالوحدة والأمراض النفسيَّة وتعقيدات الحياة، وسلسلة من المتطلبات والشروط التي يصعب استيفاؤها، أو تحتاج طاقة هائلة من التفكير والجهد والوقت، والتنافس والدخول في فضاء من المؤامرات والدسائس والصراعات والتزلف، وعلاقات تقوم على تبادل المنافع والمصالح والوساطات. وبالتالي، ظهرت نُخب مُجتمعيَّة صغيرة يتحقق لها كل ما تريده وتتطلع إليه وتتمناه من ملذَّات الحياة، وشرائح أخرى تكدُّ ليلًا ونهارًا لتوفير القليل من المتطلبات الضروريَّة، وبالكاد تستطيع أن تضمن القليل... تلك البيئة والحياة القديمة، في بساطتها وتواضعها، وإن افتقرت إلى الخدمات المريحة والوسائل الترفيهية والبرامج التقنيَّة وصناعات الثورة العلميَّة... وإن اتَّسمت بمصاعب وعقبات ترتبط بشظف العيش، إلَّا أننا افتقدنا، بفقدانها، الشعور الجميل بمباهج الطبيعة العذراء، وسلوك الناس الطبيعي ومعاملاتهم المتسمة بالشفافيَّة. وافتقدنا الاستقرار النفسي الذي مزقته حياة اليوم، عندما مزقّت شتات الأُسرة الكبيرة بين شرق وغرب، غني وفقير، موظف وعاطل، رئيس ومرؤوس، إسلامي وعلماني، متعصب ومنفتح... نتوق إلى حياة البساطة والهدوء والاستقرار في عالم الخوف، حيث تموج تيَّارات ومذاهب وشعارات ما عهدناها، وقتل يقوم به إنسان يمارس عربدته ولهوه بآلات صنعها وطوَّرها لإبادة وسحق أخيه الإنسان، وظلم لحقوق الآخرين لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري، تنقله لنا صباح مساء وسائل إعلام لا عمل لها إلَّا صناعة الخوف وبثُّ صوَر الدماء والقتل... نتوق إلى لحظات الفرح الغامر، حيث الإحساس الصادق بالسعادة في الأعياد وفي مناسبات الأعراس ومواسم الحصاد والاستقبالات الحافلة للفصول، تتجدد فيها أشكال الحياة في المسكن والملبس والمأكل، وممارسة الطقوس المرتبطة بعادات أصيلة وتقاليد رائعة وفعاليَّات ترتاح لها النفس... نتوق إلى جميع ذلك في أيَّام بتنا فيها لا نشعر بلذَّة عيد، ولا بحلاوة موسم، في عصر اللهاث والسرعة والمادَّة... نتوق إلى حياة ملأى بالمشاركات والمساهمات واللقاءات والمناقشات المباشرة، في لحظة يتسمر فيها الإنسان وحيدًا أمام شاشات التلفزة والحاسب الآلي والإنترنت والهواتف النقَّالة، تتقاذفه التيَّارات والأمواج والمتاهات. إنها ضريبة ما يُسمَّى بالتطوُّر والتمدُّن والرَّفاه والحداثة.
سعود بن علي الحارثي