ينطلق طرحنا للموضوع من فرضيَّة ما يحمله فصل الصيف من خصوصيَّة وميزة تنافسيَّة، في ظل حركة التفاعلات الحاصلة فيه، وقدرتها على إعادة إنتاج شخصيَّة الفرد، وتعظيم امتلاكه معادلة القوَّة في إدارة التحدِّيات، والتكيُّف مع المعطيات والمستجدَّات، وصناعة التوازنات في عالمه، ناهيك عن أن هذه التفاعلات، وحركة التنقل والسفر والسياحة، أو الاحتواء والترابط العائلي الذي يوجده الصيف، وطبيعة الظروف التي يتعايش معها الفرد، تؤسِّس لمرحلة متقدمة في قراءة المواطنة وفق ثوابت ومرتكزات أكثر ارتباطًا بإيجابيَّة الشعور، وأكثر التزامًا بمحدِّدات العمل الوطني، واستشعار قِيَم المواطنة المسؤولة في إدارة نطاق الممارسة الصيفيَّة والتعامل مع المواقف.
على أن الواقع الاجتماعي، عامَّة، يشير إلى أن فترة الصيف؛ نظرًا لِمَا لها من طابع خاص، ينبغي أن تكون لها فلسفة عمل خاصَّة في إدارتها والتعامل معها، في ظل حجم التحدِّي الذي تواجهه الأُسرة، مع طموحات الأبناء وشغفهم ورغبتهم في التنقل والترويح والاستجمام، ممَّا يضع الأُسرة في حالة من الحيرة والصعوبة في التعامل مع هذه الرغبات لأسباب عدَّة، قد يظهر من بينها مستوى توافر مثل هذه البيئات، وقدرتها على استيعاب هذه الرغبات، وامتلاكها فرصة التغيير في الذوات.
وبالتَّالي، تصبح هذه المعطيات، وحجم التنوع في الرغبات، والاختلاف في الأمزجة والاختيارات، سواء في البيئات الترويحيَّة والسياحيَّة، أو الخدمات المقدَّمة، أو مستوى الاستغلال الأمثل للإجازة الصيفيَّة في تقديم منتج قادر على تكوين شعور إيجابي لدى الأبناء في المجالات التعليميَّة والثقافيَّة، والأنشطة الترويحيَّة والاجتماعيَّة والرياضيَّة وغيرها، وجهود المؤسَّسات في تحقيق الجاهزيَّة والإشباع في هذه الخيارات المقدَّمة، وعبر استمرارها في البحث عن البدائل، وصناعة التجديد، لِتُمثِّلَ جميعها موجِّهات عمل وطنيَّة تستهدف الانتقال بالمواطن إلى دور المشاركة الفاعلة، وصناعة الأثر، والاستفادة المُثلى من الفرص التي أتاحتها مؤسَّسات الدولة له، كما تصنع هذه المواقف والتحدِّيات قوَّة داعمةً لتجسيد قِيَم وسلوك مواطنة الصيف في شخصيَّته، بالشكل الذي يضمن قدرته على التعامل مع الواقع، والإيمان بأنَّ التغيير الذَّاتي المتَّجه نحو استشعار قِيمة هذه المواسم وما تحمله من فرص على المستوى الشخصي والمُجتمعي، وبالتَّالي إرادة التغيير الذَّاتي والتصحيح في مسار العمل، وضبط بوصلة التوجُّه باعتباره مسؤوليَّة شخصيَّة ومُجتمعيَّة ترفع من سقف الوعي، وتبني حسَّ المسؤوليَّة، وترقى بالفرد في تعبيراته وهواجسه واهتماماته وأولويَّاته وطريقة تفكيره، قبل أن يكون قوانين وتشريعات ولوائح وضبطًا شرطيًّا وقانونيًّا.. وغيرها، إنها ممارسة نابعة من ذات المواطن، وقناعاته، وثقته بوطنه ومؤسَّسات الدولة، وإصلاح الخلل في سلوكه قبل أن يكون في سلوك العمالة الوافدة أو غير العُمانيين.
وهنا تبرز القِيمة الناتجة من قدرة المواطن نفسه على استيعاب هذا المعنى، فيكون في موضع القدوة، ويضع نفسه موضع المسؤوليَّة، ويعي ماذا يعني الصيف له، وكيف يمكن أن يشارك في بناء صيف آمِن يشعر فيه الجميع بمزيدٍ من الإيجابيَّة والتشاركيَّة والحوار. كما يمارس فيه، من خلال ما تعلَّمه من دروس التعليم، ومواقف الحياة، وتربية الأُسرة، ونهج الهُوِيَّة والسَّمت العُماني، دور الترويج لوطنه والتسويق له بأُسلوب تعلوه حكمة التصرف، ورصانة التعامل مع المنجز، وإيجابيَّة النظرة إليه، واستيعاب فرصه، والتفاؤل به، والاعتراف بأهميَّة تكاتف الجهود وتكامل المسؤوليَّات في بناء صيف يشعر فيه الجميع بالاستقرار والأمان والاطمئنان.
إنَّنا بحاجة اليوم إلى المواطن الذي يعي كل هذه السيناريوهات، ويدرك حجم العمل المطلوب، ويتعامل بفقه فلسفة المواطنة المسؤولة والمواطن الواعي مع هذه المرحلة، وقدرته على أن يكون الصيف علامةً فارقةً في حياته، يُعيد من خلالها هندسة السلوك الاجتماعي، ويستطيع من خلالها أن يصنع سياجًا مُجتمعيًّا مع أقرانه وزملائه وأهل بلدته، ومبادرات نوعيَّة قلَّ أن يتاح الوقت لتشكيلها في غير فصل الصيف، لِيصبحَ فرصةً للمبادرة، وتقديم الأفضل، وتجديد المواطنة، وترسيخ قِيمة العمل المسؤول. إنَّها مرحلة زمنيَّة تتطلب جهد الجميع، ومشاركة المُجتمع، أكثر من كونها فرصةً للنقد، وإبراز المساوئ، والتركيز على شخصنة الأحداث، وقراءة الواقع في ظل قدرته على تحقيق الرغبات الشخصيَّة والاحتياجات اليوميَّة، والحكم عليه بقدر ما حقق لنا من سعادة، دون النظر إلى ما يتطلبه ذلك من جهد.
من هنا نعتقد بأن الصيف تجسيد عملي لنهج المواطنة المسؤولة، ومحطَّة لاختبار الهُوِيَّة، واستنطاق القِيَم الوطنيَّة، وبرنامج تطبيقي في العمل من أجل الأوطان، واستلهام الأحداث، وكسب الوقت؛ إذ يجد الفرد في حركة التنقل والسفر والسياحة أن عليه أن يقف على تاريخ وطنه، والمنجز الحضاري والثقافي والفكري والترويحي فيه، فيبدأ بحوار متجدد مع الطبيعة العُمانيَّة، والتراث، والتاريخ، والولايات العُمانيَّة، التي يدرك أكثرنا أنه لم يمنحها حقها من البحث، ناهيك عن مجرد الزيارة. وكم من البيئات الجميلة في وطننا، سلطنة عُمان، لا تبعد عنَّا سوى بضعة كيلومترات، ولكنَّنا ـ وللأسف الشديد ـ قصَّرنا في حقِّها بالزيارة والترويج والتعرف عليها عن قرب.
وعليه، فإنَّ قدرة الصيف على هندسة السلوك الاجتماعي وتعزيز قِيَمِ المواطنة المسؤولة تضعنا أمام مسارات نوعيَّة للعمل معًا، والمشاركة الفاعلة، والحسِّ المسؤول، والمبادرة الجادَّة، وتغيير الصورة الذهنيَّة حول بعض الأحداث، لِتبرزَ مواطنة الصيف روحًا جديدةً للحياة، تمنح الأمل، وتبني مسارات التقاء أكبر، وشراكات أعمق، وترتكز على أخلاقيَّات الإنسان، وقِيَم الصبر، والتحمُّل، والسَّعي، والعطاء، والإنتاجيَّة، وبناء الفرص، وكسب الثقة في العمل المؤسَّسي، وإعادة التغيير الذاتي بطريقة تضمن قدرة النفس على صناعة التغيير، وإعادة إنتاج واقعها بطريقة أكثر إلهامًا وذكاءً. لِنَبنِ، في ظل مواطنة الصيف، قِيمة للعمل الوطني المشترك، والتناغم المؤسَّسي في مواجهة الأخطار والتعامل مع التحدِّيات؛ فقد أثبتنا للعالم أجمع كيف أنَّنا أُمَّة واحدة في الشدائد، ليستمرَّ عملنا في التعاطي مع الصيف بالقوَّة نفسها، وبوسائل أكثر ابتكاريَّة وتناغمًا مع فلسفته.
إنَّ الصيف، بذلك، محطَّة جديرة بالاهتمام في حياة الإنسان، يرصدها في ذاكرة أيَّامه، ويسجِّلها في أوراق مذكراته؛ لذلك كان عليه أن يحافظ على خصوصيَّتها، بتقنين تداولها في شبكات التواصل الاجتماعي، أو المدوّنات، أو مجموعات الواتساب، لِتبقَى منزلًا للسَّمر العائلي والفرح الأُسري، ولمزيدٍ من الحُب والألفة والود، فالصيف، بكل أجندته ومعطياته، فرصة للمراجعة والتقييم، وإعادة صياغة الواقع الشخصي، وطريقة احتساب التجربة والخبرة، وبناء روح مرحة قائمة على احترام ثقافات الشعوب وخصوصيَّتها، وقِيَم العيش والتعايش، وأساليب الحياة التي يمارسونها، وبالتَّالي تبرز لدى الفرد قِيمة الثقافة، والفكر الخلَّاق، والتسامح المنطقي العادل المتأصل في هُوِيَّة الإنسان العُماني وأخلاقه، الواعي بحقوقه، والعارف بواجباته، والمدرك لأبعاد التحوُّل الذي ينبغي أن يرافقه في مدرسة الصيف، والدروس التي يتعلمها لمزيدٍ من الإتقان والفهم، فتُصبح جزءًا من نشاطه، وحيويَّته، وانطلاقته نحو رفع سقف الوعي بمنجز وطنه.
وفي الوقت نفسه، فإن حركة السفر والسياحة والتنقل دروسٌ متعلَّمةٌ في مدرسة الصيف، نقرأ فيها عاداتنا، وقِيَمنا، وأخلاقنا، وسَمْتنا كعُمانيين، وموقعنا المؤثِّر، وحضورنا الفاعل في هذا العالم، وما نمتلكه من ثقافة، وخبرة، وتجربة، وإرادة، ووعي، ونرصد حقيقة ما يجري في خطط المُجتمعات واستراتيجيَّات الدول، وكيف تحافظ الشعوب على إنجازاتها، وتحفظ منجزها الحضاري والسياحي، ورصيدها التاريخي والثقافي والقيمي، وكيف تقرؤه للآخرين، وكيف تدير ثقافتها واستراتيجيَّتها في الحياة، وتعبِّر عنها في مبادئ السَّلام، وقِيَم العيش والتواصل بينها؛ ليكون طريقًا لنهضة الأجيال القادمة، ومحطَّة تجتمع فيها الأمنيات والأحلام، لتنسج خيوط الأمل القادم عبر محطَّات الصيف الرَّاقية، ولِنَبنِ ذاكرة الصيف على وعي وبصيرة في عالم كوني متسامحًا؛ لِتصبحَ موجِّهات حاكمة لقواعد السلوك الأصيل، تعبِّر عن جوهر القِيَمِ العُمانيَّة التي تشكل امتدادًا للثقافة الوطنيَّة الغائرة في جذور التاريخ، وأصبحت جزءًا من الحركة اليوميَّة لأفراده، ومنطوق الحياة الاجتماعيَّة. فإن نهج الحكمة والتوازن في تصرفات المواطنين، وقدرتهم على فهم ما يعنيه وجودهم في الصيف خارج بلدهم أو داخله، من نقل قِيَمه ومبادئه وحضارته وسلوكه، هو الرهان الذي يضمن لرحلة الصيف المتعة والفائدة؛ لِتبقَى مدرسة الصيف مددًا للفرد، وزادًا لقادم وقته، وهو يحمل رسالة الوطن وأخلاقه، وينثر ورود الصفاء والنقاء والوعي والمسؤوليَّة في فضاءاته، ويصنع الأمن والسَّلام أينما حلَّ وارتحل.
د.رجب بن علي العويسي