الأحد 02 أغسطس 2026 م - 18 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

حين تصبح أمية التكنولوجيا سببا لاحتقار آبائنا

حين تصبح أمية التكنولوجيا سببا لاحتقار آبائنا
السبت - 01 أغسطس 2026 05:01 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10

بني:

أنا المخضرم الذي عاش أزمانًا متنوعة، فالاختراعات تدخل في حياتنا واحدة تلو الأخرى، لتغيِّر من أُسلوب حياتنا، فنتأقلم معها سريعًا بلا تردُّد ونستخدمها بحماس، فاستقبلنا الراديو والأسطوانات الصوتيَّة بترحيب. نحن مَن شهدنا عصر التلفاز بالهوائي، ثم بـ(الدّش)، واستقبلنا دخول الهاتف الأرضي في حياتنا، وبات جزءًا مهمًّا في حياتنا، وتغيَّر أُسلوب حياتنا من المشي على أرجلنا إلى سياقة السيَّارة. نحن مَن أدخلنا الأجهزة المنزليَّة إلى بيوتكم يا بُني، لتكون جزءًا من حياتكم: الغسّالة، والثلاجة، وخلاطة العصير، والمطحنة، والمكنسة الكهربائيَّة؛ حتى لتعيشوا في منازل مليئة بالأجهزة وكأنَّها مصانع. تغيُّرات كثيرة وسريعة أكاد أعجز عن إحصائها، فنحن نستقبل تلك الاختراعات بشكل متسارع، ففي كل عام نستقبل اختراعًا جديدًا نتقبله بكل مرونة، ونتعامل معه ليكون جزءًا من حياتنا، نحن جيل مَرِن يتقبل التغيُّر في حياته بكل أريحيَّة.

نعم يا بُني:

نحن جيل أبطال التأقلم مع الجديد والمستجدَّات، جيل مَرِن يقبل التحضُّر ويتعايش مع التغيُّر بسرعة فائقة، اليوم وقد أصبحنا في قائمة المسنِّين بدأنا نستقبل عالم جديد وهو العالم الرَّقمي، فالهاتف النقَّال يعجُّ بالتطبيقات التي من خلالها نحصل على الخدمات، نستقبل التطوُّر في مجال التكنلوجيا، وعلى الرغم من أننا تعودنا على التأقلم مع المستجدَّات، إلَّا أننا يصعب علينا التأقلم مع استخدامات بعض التطبيقات التي نجدها في الهاتف النقَّال، والتي توظف في الحياة اليوميَّة بشكل كبير ونحصل من خلالها على خدمات، فمن خلال شاشة الهاتف النقَّال نحصل على الخدمات الحكوميَّة وننجز المعاملات، كاستخراج الهُوِيَّة، والتقديم لاستقدام عاملات المنزل، وتسجيل سيَّارتنا، وتأمينها، وحجز مواعيد المستشفى، بل وحتى تبضعنا لمشترياتنا، وأضف ما شئت في هذه القائمة، لتجدَ نفسك مضطرًّا لإتقان استخدام هذه التطبيقات وإلَّا لن تحصل على هذه الخدمات. فعلى الرغم من أننا تعاملنا مع العديد من الأجهزة الحديثة في شبابنا، إلَّا أننا وجدنا أنفسنا غارقين وسط مصطلحات كثيرة باللُّغة الإنجليزيَّة، واختصارات لا حصر لها، وخطوط صغيرة نكاد لا نراها، وحروف ورموز كثيرة وكأنها طلاسم ساحر، وخطوات طويلة تنقلنا خطوة بعد الأخرى على شاشة الهاتف وكأننا نسير في متاهة.

بُني:

لم تَعُدْ قدرتنا على استقبال العالم الرَّقمي بنفس كفاءتنا عندما استقبلنا جميع الاختراعات السابقة لنجعلها جزءًا من حياتكم، فرفقًا بنا يا بُني، نحن جيل مَرِن وليس جيلًا أُميًّا، فلا تسخر منَّا لأُميَّتنا في العالم الرَّقمي ولا تضجر من بطئنا في التعامل مع هذا العالم، وساندنا لدخول هذا العالم الجديد، وتقبَّل بطئنا في السَّير نحوه، فأنت عكازنا في هذا العالم.

بُني:

نحن جيل لا يحبُّ الأُميَّة، بل يحبُّ كل جديد ويتعلمه، إلَّا أن عالم الرَّقميَّة جاء عندما بدأنا نلبس ثوب الشيخوخة، فلم تَعُدْ لدينا القدرة على سرعة تعلُّم هذا العالم، فلا تحتقرنا ولا تضجر منَّا، فعندما أقف حيران أمام الصرَّاف الآلي لأنني نسيت كلمة السِّر أو نسيت بعض الخطوات فلا تتأفف وتضجر منِّي، بل مدَّ يد العون، عندما أحاول تجديد تأمين وتسجيل سيَّارتي سأنهال عليك بالأسئلة عند كل خطوة من خطوات إجراءات المعاملة، فلا تتأفف وتضجر منِّي، هذا التأفف والضجر يضرب المسافات بين جيلنا وجيلكم، هذا الضجر يجعلنا نشعر بالغربة ونحن وسط فلذات أكبادنا. ابتسامتك بسخرية عند إخفاقي في إجراء المعاملات الإلكترونيَّة تكسر قلبي وتجعلني أدرك بأنني قصَّرتُ في تربيتك على احترام الآخرين. فتذكر أننا الجيل الذي أدخلك لعالم الأجهزة الكهربائيَّة، فلعلَّك تقدِّر ذلك.

بُني:

المُجتمع القوي هو الذي يجمع بين حيويَّة الشباب وحكمة الكبار، لا الذي يجعل التكنولوجيا سببًا للتعالي أو التمييز. فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد التطبيقات التي نتقنها، بل بقدرتنا على الحفاظ على إنسانيَّتنا واحترام مَن سبقونا في بناء الحياة التي نعيشها اليوم. وإذا كانت التكنولوجيا قد قرَّبت المسافات بين الناس، فمن الأولى ألَّا تسمح لها بأن تباعد القلوب بين الأجيال، بل أن تكون وسيلة للتعاون والتفاهم، حيث يتعلم الشباب من خبرة الكبار، ويتعلم كبار السِّن من مهارات الشباب، في علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير، لا على السخرية والاحتقار. ودُمْتَ يا بُني سالمًا.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@