الاثنين 27 يوليو 2026 م - 12 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : ريادة الأعمال تقود اقتصادا راسخا

الاثنين - 27 يوليو 2026 05:10 م

رأي الوطن

10

تتحدَّد قوَّة الاقتصادات الحديثة بقدرتها على توسيع قاعدة الإنتاج، وإيجاد مصادر متجدِّدة للنُّمو، وفتح المجال أمام المبادرات الفرديَّة لتتحول إلى مؤسَّسات قادرة على المنافسة، ومن هذا المنطلق تحتل المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة مكانة متقدِّمة في السياسات الاقتصاديَّة للدول؛ لأنَّها تُمثِّل الرافد الأوسع للاستثمار، والأقرب إلى استيعاب الطاقات الوطنيَّة، والأقدر على الوصول إلى مختلف الأنشطة الاقتصاديَّة، وفي سلطنة عُمان اكتسب هذا القطاع أهميَّة متزايدة ضمن مسار التنويع الاقتصادي، حيث جاء الاهتمام به جزءًا من رؤية تنمويَّة تنظر إلى رائد الأعمال بوصفه شريكًا في صناعة المستقبل، وتتعامل مع المؤسَّسة الصغيرة باعتبارها نواة لشركة أكبر، وقِيمة مضافة جديدة للاقتصاد الوطني، وتظهر النتائج التي حققتها هيئة تنمية المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة خلال النصف الأول من العام استمرار هذا التوجُّه، سواء من خلال اتساع قاعدة المؤسَّسات المستفيدة، أو ارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلِّي الإجمالي، بما يؤكد أن ريادة الأعمال أصبحت أحَد المحركات الرئيسة للنُّمو الاقتصادي.

ولعلَّ ما يلفت الانتباه في تجربة سلطنة عُمان أنَّ الاهتمام لم يَعُدْ يقتصر على تشجيع تأسيس المؤسَّسات، وإنَّما اتَّجه إلى بناء منظومة متكاملة ترافق رائد الأعمال منذ الفكرة الأولى وحتى مراحل التوسُّع والنُّمو؛ فبطاقة ريادة الأعمال أصبحت بوَّابة للحصول على حزمة واسعة من التسهيلات، وبرامج الاحتضان وفَّرت بيئة مناسبة لتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للاستمرار. كما أسْهَمت الاستشارات المتخصِّصة، وبرامج التدريب، ودراسات الجدوى، في رفع كفاءة أصحاب المؤسَّسات وتعزيز قدرتهم على اتخاذ قرارات أكثر دقَّة. وجاء التحوُّل الرَّقمي في خدمات الهيئة ليختصر الإجراءات، وييسِّر الوصول إلى الخدمات، ويوفِّر بيئة أكثر كفاءة تتناسب مع متطلبات قطاع يعتمد على سرعة الإنجاز وسهولة الوصول إلى المعلومات.

وتؤكِّد برامج التمويل، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير البيئة التشريعيَّة، أنَّ الرهان يتَّجه إلى صناعة مؤسَّسات تمتلك القدرة على النُّمو والاستمرار، لا إلى زيادة الأعداد فقط، ويعكس نجاح برنامج «تصعيد» في انتقال عدد من المؤسَّسات إلى فئات أعلى وجود مسار واضح يربط بين التأسيس والتوسُّع، ويمنح المؤسَّسات المجتهدة فرصة الانتقال إلى مستويات إنتاجيَّة أكبر، كما يُعزِّز الاهتمام بالشركات القائمة على التقنيَّة والابتكار مكانة الاقتصاد الوطني في القطاعات المستقبليَّة، ويفتح المجال أمام استثمارات أكثر ارتباطًا بالمعرفة، وهو ما ينسجم مع التوجُّهات العالميَّة التي تنظر إلى الابتكار باعتباره أساسًا للنُّمو الاقتصادي المستدام.

إنَّ اكتمال منظومة التمكين يظهر كذلك في الجهود المبذولة لفتحِ الأسواق أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، من خلال برامج التسويق، والمعارض المحليَّة والدوليَّة، والتجارة الإلكترونيَّة، وتطوير المورِّدين المحلِّيين، وربط المؤسَّسات بفرص الأعمال الناتجة عن برامج القِيمة المحليَّة المضافة، ويأتي دعم الحِرفيين والبيت الحِرفي العُماني لِيضيفَ بُعدًا اقتصاديًّا يحافظ على الهُوِيَّة الوطنيَّة، ويمنح المنتجات العُمانيَّة حضورًا أوسع داخل الأسواق وخارجها. ويؤكِّد هذا التكامل أنَّ بناء اقتصاد متنوع يتحقق بكثرة المؤسَّسات، وبقدرتها على النمو، والمنافسة، والابتكار، والوصول إلى الأسواق، لِتصبحَ شريكًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ودعامَّة راسخة لاقتصاد أكثر قوَّة واستدامة.