انطلقت النسخة الثالثة من برنامج الانضباط العسكري لعام (2026)م؛ لتعزيز قِيَم الانتماء والمسؤوليَّة وصقل شخصيَّة الطلبة من خلال منظومة متكاملة من التدريب العسكري والأنشطة الرياضيَّة والبرامج المعرفيَّة، وقد شهد البرنامج في نسخته الثالثة توسُّعًا ملحوظًا في عدد المستهدفين ليصل إلى (1000) طالب من مختلف محافظات سلطنة عُمان.
والحديث عن الانضباط العسكري في حقيقة الأمر يُمثِّل نموذجًا مصغرًا للحديث عن بناء الشخصيَّة العسكريَّة وشخصيَّة أبناء هذا الوطن في إطار مفاهيم الضبط والربط والمسؤوليَّة، في ظل ما تمتلكه المفردة العسكريَّة من مفاهيم مُتجدِّدة، وموجِّهات حكيمة، ووسائل وأدوات نوعيَّة، وممارسات راقية، وقِيَم أصيلة تتناغم مع السياق العسكري، وتتفاعل مع أبجديَّات الحياة العسكريَّة بما فيها من قِيَم الضبط والربط والالتزام والطَّاعة والاحترام والإخلاص والإنجاز والمسؤوليَّة، وهي بذلك تجسِّد معاني السَّمْت العُماني الأصيل؛ إذ لا تنفصل أبجديَّات بناء الشخصيَّة العسكريَّة عن الهُوِيَّة العُمانيَّة والقِيَم والأخلاقيَّات والثوابت، بل تتكامل معها لتتشكل معالمها في الشخصيَّة العُمانيَّة المتوازنة فكرًا وروحًا وعقيدةً ومبدأً وإنسانيَّة.
ولعلَّ ذلك يرجع إلى ما تحمله الشخصيَّة العسكريَّة العُمانيَّة من تفرُّد وخصوصيَّة، لتُمثِّلَ مسارًا تعليميًّا وتدريبيًّا تقرأ فيه الطفولة والشَّباب مفاهيم التضحية والبناء والولاء للسُّلطان والذَّود عن الوطن، مستحضرة في يوم القوَّات المُسلَّحة والأيَّام العسكريَّة والوطنيَّة الأخرى ما سطَّره الآباء من أمجاد وبطولات وتضحيات نبيلة ومواقف مشرِّفة سجَّلها التاريخ بأحْرف من نور، لِتبقَى شواهد حيَّة للأجيال القادمة، وانطلاقة لهم ليصنعوا مثل ما صنع الآباء والأجداد في حُبهم للوطن والدفاع عن الأرض وصون مكتسباته، ولتستمرَّ مَسيرة البناء والعطاء بعزيمة صلبة وإرادة راسخة، وليظلَّ الجيل القادم يحمل التقدير والاحترام والاعتزاز والفخر بِدَور قوَّات السُّلطان المُسلَّحة والأجهزة الأمنيَّة السَّاهرة، وأن هذا الوطن العظيم بين أيدٍ أمينة ترعاه وتحافظ عليه وتسهر من أجلِه وتصون مقدَّساته.
على أن ما يحمله برنامج الانضباط العسكري من مرتكزات ومبادئ وأخلاقيَّات وقِيَم يُمثِّل أرصدة مهمَّة ومعزِّزات قِيَميَّة في حياة الأجيال؛ نظرًا لخصوصيَّة الثقافة العسكريَّة وما تتميز به من سِمات وقِيَم ترفع من حضورها في تعزيز قِيَم المواطنة والولاء والانتماء، لذلك تأتي أهميَّة ما يُشكِّله الانضباط العسكري لطلبة التعليم المدرسي من خطوة مهمَّة في تجسيد هذه الثقافة والقِيَم والمبادئ العسكريَّة في أبسط مدلولاتها المفاهيميَّة ومعانيها في حياة الأجيال، في ظل ما يغرسه البرنامج من مبادئ تجسِّد الممارسة العسكريَّة في أدقِّ صوَرها وأعظم تجلِّياتها، بما ينعكس إيجابًا على شخصيَّة الناشئة العُمانيَّة.
وفي ظل البرامج التدريبيَّة التي يتعرض لها الطلبة، إضافة إلى الأنشطة الرياضيَّة والبرامج المعرفيَّة، يضع برنامج الانضباط العسكري للمفردة العسكريَّة أهميَّة كبرى وحضورًا أوسع، وهم ينفذون العرض العسكري ويحملون السلاح، ويؤدُّون التحيَّة، ويقومون بإيعاز من قائد طابور العرض بحركات الاستعراض العسكري البطيء والسريع في هيبة وعزَّة وانضباط، على وقع الموسيقى العسكريَّة، ويرددون في طابور العرض النشيد العسكري «فلتسلمي عُمان»، ونداء الولاء والتأييد:«الإيمان بالله، الولاء للسُّلطان، الذَّود عن الوطن»، والهتاف ثلاثًا بحياة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم، القائد الأعلى ـ حفظه الله ورعاه ـ محطَّات تصنع من أيَّام الانضباط العسكري فرص تحوُّل تعيد إنتاج شخصيَّة الشَّباب العُماني، وتكيُّفها مع معطيات الواقع، وقدرتها على الاستجابة لمستجدَّاته ومتغيِّراته، مع ثبات أصيل على المبادئ وجوهر القِيَم العُمانيَّة، وتجدُّد في الناشئة قِيَم العمل الجاد المخلص، والولاء للسُّلطان، والانتماء للوطن، والمحافظة على التوازن في السلوك الوطني في إطار من الضبط والربط والمسؤوليَّة.
وبالتالي، فإن ما تسطِّره هذه المحطَّات من مدلولات عميقة، رغم قصر عمرها الزمني، لتتجلَّى في ملامح الإنجاز القائمة على وضوح الأدوات، ومنطلقات العمل، وقوَّة الهدف، وما تستلهمه من معاني القوَّة والإباء، بما يرفع من سقف التوقُّعات النوعيَّة، ويُعزِّز فرص التكامل والعمل بروح الفريق الواحد، ويستحضر أولويَّة الحفاظ على مقدَّسات الوطن ومنجزاته الحضاريَّة، وتعميق روح المسؤوليَّة الوطنيَّة في الإنسان العُماني، في التعامل مع القضايا المحيطة به، وتجسيد الوعي والاحتواء في تصرُّفاته وسلوكه بما يرفع من قدرته على تمثّل الشخصيَّة العُمانيَّة وصون هذه المنجزات، وتعزيز المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، وبداية مهمَّة في تشكيل عقله اللاواعي حول التحاقه مستقبلًا بالعمل العسكري بعد تخرجه من الدبلوم العام، وتغيير الصورة الذهنيَّة والقناعات غير المنضبطة حول هذا الأمر، الأمر الذي سيكون له مردوده الإيجابي في خلق مشتركات توافقيَّة بين مضامين الحياة العسكريَّة والحياة العامَّة، تقوم على إعلاء قِيَم المُجتمع ومبادئه وأخلاقيَّاته، وترقية الاهتمامات والتوجُّهات، وتأكيد القِيَم الدينيَّة والوطنيَّة في الحياة اليوميَّة، كالصِّدق والأمانة والإخلاص والوفاء، والانتماء لعُمان، والولاء لجلالة السُّلطان، وحُب الوطن، والذَّود عن حياضه، والدفاع عنه، ورعاية مصالحه، بما تتطلبه من وعي المُجتمع وإدراكه لِمَا تحمله هذه المفردات من أهميَّة في بناء المواطنة وتعزيز الانتماء والولاء والمسؤوليَّة.
وعليه، فإن تأكيد حضور هذه المفردات والقِيَم في حياة المُجتمع من خلال برنامج الانضباط العسكري سوف يُسهم على مرِّ الوقت في بناء مُجتمع متماسِك فكريًّا وتنمويًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، يعتمد على نفسه، ويبني ذاته، ويستثمر موارده، ويُعزِّز مكانة سلطنة عُمان في نفسه وفي العالم الواقعي والافتراضي، ويمتلك الحكمة والكياسة والمهنيَّة في التعامل مع المستجدَّات، وإدارة الأزمات، واحتواء المواقف، والتعايش مع الظروف الصَّعبة، إلى جانب اهتمامه بقِيَم المُجتمع وأخلاقيَّاته، وإدراكه للمفردات التاريخيَّة والتراثيَّة والسياحيَّة والفكريَّة والدِّينيَّة في المشهد العُماني، كما يمتلك حسًّا وطنيًّا يضعه في موقع الريادة والقيادة والقدوة والمسؤوليَّة، بما يجعل هذه الثقافة محطَّة تحوُّل نوعيَّة في الواقع الاجتماعي، تُسهم في إعادة تكوين المواطن، وإنتاج ثقافة المسؤوليَّة لديه، وتربيته على قِيَم التضحية والدفاع عن الوطن، وإكسابه المهارات النوعيَّة والثقافة الأصيلة، والفكر المستنير، والحكمة في إدارة المواقف، والتخطيط والتنظيم والتنسيق، وقيادة الفريق، وصناعة الإلهام والتحفيز، وتعزيز روح المبادرة والإبداع والابتكار.
إن من بين الفرص التي باتت تُحسب لبرنامج الانضباط العسكري قدرته على تأسيس ثقافة الضبط والربط العسكري في حياة الطلبة، من حيث: الاهتمام بإدارة الوقت، وحُسن التخطيط، وبناء السيناريوهات، وتعزيز العمل بروح الفريق، والإسراع في إنجاز المهمَّة، لتُشكِّل جميعها موجِّهات عمليَّة في التربية على الالتزام، وتكوين شعور إيجابي نحوه، فيسير المُجتمع وفق ضوابط وقواعد وأُطر أقرَّتها القوانين الوطنيَّة، وأصَّلتها تشريعات الدولة. وعندما تصبح ثقافة الضبط والربط ثقافة المواطن اليوميَّة، سواء كان موظفًا أو طالبًا أو وليّ أمرٍ أو عاملًا أو مسؤولًا، فإنها ستضمن حُسن توجيه هذه الثقافة وزيادة أثرها في حياة المُجتمع والأجيال، بما يُحقق الأمن، ويرسِّخ النظام، ويؤصِّل الأهداف الوطنيَّة العليا، في ظل منظومة متجانسة من القِيَم والعادات والمعايير التي تحكم سلوك المواطنين وتوجّه اهتماماتهم داخل المؤسَّسات وخارجها.
على أن ما تحمله ثقافة الانضباط العسكري من مفردات وقِيَم ومبادئ وأخلاقيَّات وتوجُّهات يضعه أمام مهمَّة الإسهام في إعادة التوازن الفكري والثقافي في المُجتمع، في ظل المتغيِّرات القِيَميَّة والاجتماعيَّة التي باتتْ تؤثِّر في الشَّباب، من خلال تجسيد روح الرسالة العسكريَّة وقِيَمها ومبادئها وأخلاقها وضوابطها في حياته اليوميَّة، وتعاملاته وتصرفاته في مُجتمعه وبين أهله، بما يعكس سلوكه الإيجابي، وشخصيَّته الواعية المتوازنة، وهيبة الشخصيَّة العسكريَّة، والتقدير والاحترام المُجتمعي اللَّذيْنِ تحظى بهما، يجعله عند مستوى الرُّقي الفكري والمعرفي في قراراته ومواقفه وأخلاقيَّاته، بما ينعكس إيجابًا على تشجيع الشَّباب على الانخراط في الحياة العسكريَّة والأمنيَّة، وتعريفهم بالضوابط والأخلاقيَّات والالتزامات التي ينبغي أن تكون حاضرة في حياة الفرد وثقافته اليوميَّة، لتصبح الثقافة العسكريَّة سلوكًا تربويًّا ومنتجًا فكريًّا داعمًا للتميُّز، ومحفِّزًا على تحقيق الطموح.
أخيرًا، يبقى برنامج الانضباط العسكري وما حقَّقه في السنوات الماضية من نجاحات كان لها أثرها في زيادة عدد المستفيدين منه والراغبين في الانخراط فيه من الطلبة، محطَّة وطنيَّة تؤسِّس لتأطير هذه القِيَم والمفردات والمبادئ، وإعادة إنتاجها في ثقافة التعلُّم ومناهج التعليم والأنشطة التعليميَّة، بحيث يتمُّ تدريس مفاهيم الثقافة العسكريَّة ذات العلاقة بالأبعاد الوطنيَّة والاجتماعيَّة وبناء الشخصيَّة، لتكون محطَّات لصناعة التحوُّل الإيجابي في سلوك الناشئة، في ظل تأثيرات منصَّات التواصل الاجتماعي، والمخاطر الرَّقميَّة الناتجة عن الحسابات الوهميَّة، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال والجرائم .. وغيرها من إفرازات التقنيَّات الحديثة، بما تقدِّمه في إطار برنامج الانضباط العسكري من موجِّهات في التعامل الواعي معها، واستيعاب دوافعها، وتعزيز قِيَم الانضباط والمسؤوليَّة في الفضاءات الرَّقميَّة وغياب الضوابط، في إطار من التكامل والاتزان والاستدامة، وعندها تصبح ثقافة الانضباط العسكري منظومة حياة يتعايش في ظلها المُجتمع، وتتأسس من خلالها فرص بناء قيادات المستقبل.
د.رجب بن علي العويسي