الاثنين 27 يوليو 2026 م - 12 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

التسمم الغذائي فـي المطاعم!

التسمم الغذائي فـي المطاعم!
الاثنين - 27 يوليو 2026 05:04 م

د. يوسف بن علي الملَّا

ذ1ض1ص يدرك ذلك الفرد الذي قضى ليله من التقيؤ، وانتهاءً بآلام البطن أو الإسهال، بعد ساعات قليلة من عشاء بدا عاديًّا في أحَد المطاعم، مدى السرعة التي يمكن أن يحوِّل بها التسمُّم الغذائي أمسية طيِّبة مع أُسرته أو أصدقائه إلى تجربة سيئة، والحقُّ يقال بأنها واحدة من تلك المُشْكلات الصحيَّة التي تبدو شائعة لدرجة تجعل الناس لا يأخذونها على محمل الجد! والحقيقة هنا أن منظَّمة الصحَّة العالميَّة صنّفت الأمراض المنقولة بالغذاء كقلق متزايد على الصحَّة العامَّة؛ إذ ترتبط هذه المُشْكلة بعوامل عدَّة، منها التوسُّع الحضري السريع، ووجود أعداد كبيرة من العمالة الوافدة التي تعتمد كثيرًا على تناول الطعام في الخارج، والمناخ الحار الذي يجعل من الصعب للغاية الحفاظ على درجات الحرارة المناسبة داخل المطابخ. كما نعي جميعًا بأن المطاعم ومنافذ بيع الوجبات الجاهزة ومطابخ خدمات التوصيل مسؤولة عن نسبة كبيرة من هذه الحالات في كل مكان، وذلك ببساطة لأن الكثير من الوجبات أصبح يتناول خارج المنزل، ولأن مطبخًا واحدًا ـ على سبيل المثال ـ يمكنه تقديم الطعام لمئات الأشخاص في يوم واحد!.

ضمن ناحية أخرى، ما يجعل حالات التسمُّم الغذائي المرتبطة بالمطاعم معقَّدة بشكلٍ خاص هو كثرة الأيدي والمراحل التي تمرُّ بها المُكوِّنات، بدءًا من كونها مواد خامًا وحتى وصولها إلى الطبق الموضوع أمامك، ما أعنيه أنه يجب على المطابخ المزدحمة الحفاظ على درجات حرارة مناسبة لعشرات المُكوِّنات، وتجنُّب التلوُّث الخلطي من اللحوم النيئة إلى الخضراوات التي تقدَّم طازجة، بل وضمان غسل جميع الموظفين لأيديهم بشكل صحيح حتى في أوقات ضغط العمل. وعليه سنجد أن من أسباب التسمُّم الغذائي ترك الطعام في درجات حرارة غير آمنة لفترة طويلة، وتدنِّي مستوى النظافة الشخصيَّة لدى الموظفين، والتلوُّث الخلطي بين الأطعمة النيئة وتلك الجاهزة للأكل، وأيضًا عدم طهي الطعام بشكلٍ كافٍ!

ومن الجيِّد ذكره أن سلامة الغذاء لدينا بسلطنة عُمان تخضع لاختصاصات مشتركة تشمل وزارة الثروة الزراعيَّة السمكيَّة وموارد المياه، ووزارة الصحَّة، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بينما يتولى مركز سلامة وجودة الغذاء دور الجهة المنسِّقة المركزيَّة. حتى إنه في عام (2025)م، وسَّع قرار وزاري جديد نطاق متطلبات التحقُّق الخاصَّة بالمنتجات الغذائيَّة المستوردة، بما في ذلك عمليَّات التدقيق على أنظمة تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة في بلد المنشأ، وهذا بشكلٍ أكيد يعكس حقيقة أن الكثير ممَّا يقدَّم في قوائم الطعام العُمانيَّة يعتمد في نهاية المطاف على المعايير المطبَّقة في الدول المصدِّرة.

بطبيعة الحال، تتفاوت أعراض التسمُّم الغذائي بشكل كبير تبعًا للكائن المسبِّب له، وهذا أحَد الأسباب التي تجعل الناس أحيانًا في حيرة بشأن السَّبب الحقيقي لمَرضهم. فعادةً ما تظهر أعراض فيروس يُدعى (نورو) بسرعة في غضون اثنتي عشرة إلى ثمانٍ وأربعين ساعة، وتتمثل في قيء شديد وإسهال مائي يزول بالعادة خلال أيَّام. أمَّا بكتيريا السالمونيلا ـ على سبيل المثال ـ فهي تستغرق وقتًا أطول للظهور، من ستِّ ساعات إلى عدَّة أيَّام، وقد تُسبب الحمَّى وتقلُّصات البطن وإسهالًا يستمرُّ لما يقرب من أسبوع. وأيضًا، لكي نكون واعين، هنالك مُسبِّبات أخرى أكثر خطورة تتصرف بطريقة مختلفة؛ إذ يمكن لسلالات معيَّنة من بكتيريا (الإشريكيَّة القولونيَّة) والمرتبطة بتناول لحوم البقر غير المطهيَّة جيِّدًا أو المنتجات الزراعيَّة الملوَّثة أن تؤدي إلى مضاعفات كلويَّة خطيرة تُعرف بـ«متلازمة انحلال الدم اليوريميَّة»، لا سِيَّما لدى الأطفال الصغار وكبار السِّن.

طبعًا، بالنسبة لمعظم البالغين الأصحَّاء، تزول حالات التسمُّم الغذائي من تلقاء نفسها مع الراحة وتناول السوائل، إلَّا أن الجفاف يُمثِّل الخطر الحقيقي الذي يجب الحذر منه، ولا سِيَّما لدى الأطفال الصغار وكبار السِّن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة. وهنا لا ننسى بأن أعراضًا مثل جفاف الفم، أو الدوار عند الوقوف، أو قلَّة التبوُّل ـ أكرمكم الله ـ أو الحمَّى، هي أسباب ـ بلا شك ـ تستدعي طلب الرعاية الطبيَّة بدلًا من الاكتفاء بالبقاء في المنزل! أمَّا ظهور إسهال دموي أو استمرار الأعراض لأكثر من ثلاثة أيَّام، فيستوجب استشارة الطبيب؛ نظرًا لأن بعض أنواع العدوى تتطلب إجراء فحوصات أو في حالات معيَّنة استخدام المضادَّات الحيويَّة.

والأهمُّ من ذلك كلِّه هنا، لا يملك الفرد الكثير ليفعله في المطعم قَبل طلب الطعام مثلًا، إلَّا أن هناك بعض العادات التي يمكن أن تقلِّل من المخاطر الشخصيَّة! فاختيار الأماكن التي تبدو نظيفة، وتوخِّي الحذر عند تناول المأكولات البحريَّة والبيض النيئة أو غير المطهيَّة جيِّدًا، وتجنُّب أصناف البوفيه في الفنادق التي تُترك أحيانًا مكشوفة لفترة في درجات حرارة مرتفعة، كلُّها تدابير وقائيَّة معقولة، لا سِيَّما في مناطقنا ذات المناخ الحار؛ حيث يكون هامش الخطأ في درجات حرارة حفظ الطعام أضيق بكثير مقارنة بالمناطق الأكثر برودة. كما أن الإبلاغ عن حالات الاشتباه في الإصابة بأمراض ناجمة عن تناول الطعام في المطاعم إلى الجهات البلديَّة أو الصحيَّة المختصة يُعَدُّ أمرًا مهمًّا أكثر ممَّا يدركه معظم الناس. فتخيَّل معي بلاغًا واحدًا سيساعد المحققين بالتأكيد في الربط بين خيوط تفشٍّ وبائي قد يظل دون رصد؟!.

ختامًا، تُعَدُّ سلامة الغذاء مسؤوليَّة مشتركة تقع على عاتق المزارعين، وجهات المعالجة والتصنيع، والمطابخ، والجهات الرقابيَّة، وروَّاد المطاعم، ولا يمكن لأيِّ حلقة منفردة في هذه السلسلة، سواء في مسقط ـ مثلًا ـ أو في أيِّ مكان آخر بالسَّلطنة، أن توفِّر حماية كاملة ضدَّ كافَّة المخاطر بمفردها.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]