منذ قدومي إلى سلطنة عُمان، كان شعار «الإنسان أداة النهضة وغايتها» يشغل بالي، فقد ظل معلقًا في أروقة مدرسة جابر بن زيد الثانويَّة، التي تشرفتُ بالحصول على شهادة الثانويَّة منها. وأعتقد أن هذا الشعار مستلهم من فكر المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ السُّلطان قابوس بن سعيد، طيَّب الله ثراه. وطوال سنوات عملي وإقامتي في السَّلطنة، وجدتُ أن العناية بالإنسان العُماني لم تكُن مجرد شعار، وإنما نموذج لدولة سَعَتْ إلى النهوض من خلال الاستثمار في مواطنيها. وفي عصر النهضة المُتجدِّدة، حرص حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ على تأكيد هذا النهج، حين قال: «همُّنا هو المواطن»، ولا أدري لماذا ربطتُ دائمًا بين هذه الرؤية المتجذرة في الفكر العُماني، السَّاعية إلى بناء إنسان عصري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويتسلح بالعِلم النافع، وبين برنامج الانضباط العسكري، الذي أراه يجسِّد جوهر هذه الفلسفة؛ فهو يجمع بين التعليم والتدريب، وتطوير القدرات والمهارات لمواكبة متطلبات العصر، وترسيخ الهُوِيَّة والقِيَم، والحفاظ على الشخصيَّة العُمانيَّة الأصيلة، وتعزيز الأخلاق والوعي المُجتمعي.
لقد لَفَتَ برنامج الانضباط العسكري انتباهي؛ لأنه عبَّر بوضوح عن جوهر الفكر العُماني الذي يسعى إلى بناء الإنسان، فهو يُقدِّم صورة واضحة للطريقة التي تنظر بها سلطنة عُمان إلى شبابها؛ فإلى جانب جهود التعليم والتعلُّم، تحرص على إعداد شخصيَّة متكاملة، يدرك المتابع للبرنامج أن الهدف لا يقف عند رفع اللياقة البدنيَّة أو ترسيخ الالتزام بالنظام، فالاهتمام يبدأ بزرع الثقة، وتعويد الشَّاب على تحمُّل المسؤوليَّة، واحترام الوقت، والعمل بروح الفريق، والقدرة على اتخاذ القرار، وهي صفات يحتاجها الإنسان في كل موقع وكل تخصُّص، ويمنح البرنامج مساحة كبيرة لترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة، وتعزيز الوعي الفكري، وبناء الالتزام الأخلاقي، حتى يظل الشَّابب العُماني متمسكًا بقِيَمه، معتزًّا بثقافته، قادرًا على التعامل مع المتغيِّرات بثقة واتزان. وأرى أن هذا التحصين أصبح ضرورة في عصر تتسارع فيه المتغيِّرات، وتتعدَّد فيه المؤثرات. فالهُوِيَّة الواعية والأخلاق الراسخة تسير جنبًا إلى جنب مع العِلم، وتمنحه الاتجاه الصحيح، وتجعل أثره أكثر نفعًا للمُجتمع والوطن.. وهذه الصفات التي يرسِّخها البرنامج في وعي الشَّباب لا ترتبط بوظيفة أو تخصُّص، فهي أساس نجاح الإنسان في حياته، وأساس قوَّة المُجتمع وتماسُكه.
ومن هذا البرنامج الانضباطي، أجدُ خبر اختيار مشروع المبتكرة العُمانيَّة آية بنت حامد الكنديَّة ضمن أفضل ثلاثة عشر مشروعًا عالميًّا في منتدى لندن الدولي للعلماء الشَّباب؛ نتيجة طبيعيَّة لمَسيرة بناء الإنسان في سلطنة عُمان. فقد أعاد الخبر إلى ذهني القناعة التي صاحبتني منذ سنوات حول الجهود المتواصلة في إعداد الإنسان العُماني، خصوصًا أن مشروعها يجسِّد ملامح دولة المعرفة والابتكار التي تمضي إليها سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه. لهذا لم يكُنِ الإنجاز مفاجئًا بالنسبة لي، فهو امتداد لمَسيرة طويلة من الاهتمام بالتعليم، والبحث العلمي، ورعاية الموهوبين، وتهيئة البيئة التي تحوِّل الأفكار إلى حلول تخدم الإنسان والمُجتمع. ومشروع «حارس» يقدِّم نموذجًا يدعو إلى الفخر، فهو يوظف الذَّكاء الاصطناعي في مكافحة الجرائم الماليَّة، ويعالج واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا على مستوى العالم. والقِيمة الحقيقيَّة لهذا الإنجاز تكمن في رسالته، فالشَّاب العُماني أصبح حاضرًا في المنصَّات العلميَّة الدوليَّة، ينافس بعلمه، ويقدِّم حلولًا عمليَّة، ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان يصنع عقولًا تبتكر، وتفكر، وتضيف إلى المعرفة الإنسانيَّة، وهو ما يعكس نجاح الرؤية التي جعلت الإنسان في صدارة أولويَّات التنمية.
أجدُ علاقة وثيقة بين برنامج يرسِّخ الهُوِيَّة، ويُعزِّز الوعي، ويبني الالتزام الأخلاقي، ومشروع علمي ينافس بين أفضل المشروعات العالميَّة. فالشخصيَّة المتوازنة تصنع عقلًا قادرًا على الإبداع، والهُوِيَّة الراسخة تمنح صاحبها الثقة في تمثيل وطنه، والوعي يقود المعرفة إلى الطريق الصحيح. هذه الصورة هي التي لمستُها في سلطنة عُمان طوال سنوات إقامتي فيها، وهي التي منحتني تفسيرًا عمليًّا لذلك الشعار الذي ظل حاضرًا في ذاكرتي منذ أيَّام الدراسة؛ فالإنسان يظل البداية، والإنسان يظل الغاية، والإنجازات التي تحققها الكفاءات الوطنيَّة تؤكد أن النهج تحوَّل إلى واقع يراه الجميع في كل شاب يحمل علمه، ويحافظ على قِيَمه، ويعتز بهُوِيَّته، ويقف بثقة في المحافل الدوليَّة، لتبقى عُمان تكسب كل يوم ثروة جديدة اسمها الإنسان.
إبراهيم بدوي