الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

النصر الخفي «2»

الأربعاء - 03 يناير 2024 06:34 م

توقفنا في اللقاء السابق عند أمر الله تعالى للأمة الإسلامية أن تقوي نفسها عسكريًا لحمايتها من الاعتداء عليها، فلابد للأمة أن تأخذ بالأسباب مع عدم الاتكال، فالناصر هو الله وهو المؤيد بالنصر، والعجيب أن من حكم الله تعالى أن يكون النصر مع القلة، ولذلك أثنى الله سبحانه على القلة دون الكثرة.

ولو نظرنا عبر التاريخ إلى كل المعارك منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي دارت بين المسلمين وبين أعدائهم وإلى الآن، لم تجد التكافؤ بين المسلمين وأعدائهم، فالمسلمون في كل المواطن قلة وأعدائهم كثرة، نجد النصر حليف المسلمين على الرغم من قلة عددهم وعتادهم.

فالنصر والغلبة قد يؤتيهما الله تعالى للمسلمين في حالة ضعف ظاهرة كم كان يوم بدر، وعلى العكس فما نفعت المسلمين كثرتهم يوم حنين، بل إن النصر لم يتحقق لهم رغم كثرتهم في حنين ولم يحالفهم، نعم لم يحالفهم نصر علني وأبدلت به هزيمة، ولكن هناك نصر خفي رغم ظهور النصر العلني، فمن أهم علامات النصر الخفي الرضا بقدر الله تعالى فأن الابتلاء في طريق إلى الله تعالى سنة من سننه التي لا تتغير ولا تتبدل، وتخليص النفوس من الأمراض القلبية كحب الدنيا والرهبة والخوف، بل على المسلمين أن لا يخافوا إلا الله، وأن لا يخشوا سواه، وأن لا يستعينوا إلا به، وأن يرهبوا إلا إياه؛ وقد حذرنا سبحانه من الوقوع في خشية غيره أو الخوف من سواه أو الرهبة منغيره.

إذن فالقضية هي أن نعلم أن النصر بيد الله وأن لا نضى مذلة أو هوانا في ديننا، وإن لم ننتصر فإن هناك نصر خفي يعود علينا قد نعلمه في حينه وقد يخفي علينا، ذكرت (مجلة البيان 172/‏ 8):(يقول ابن تيمية رحمه الله: ولن يخاف الرجل غير الله إلاّ لمرض في قلبه؛ وكما ذكروا أن رجلاً شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحداً. أي: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك؛ ولهذا أوجب الله على عباده أن لا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافوا غيره تعالى، بل ويرفعوا راية الجهاد واستمراريته حتى تقوم الساعة، سواء أكان جهاد النفس وإلزامها الطاعات وبعدها عن المعاصي، وسواء أكان جهدا للشيطان وزجره وطرده عن أن يجد ثغرة يوسوس للمسلم من خلالها، وسواء كان جهاد أعداء الله وقتالهم والدفاع عن نصرة الإسلام بالنفس والمال، وفي هذا الجانب لا ينبغي أن يقصَّر المسلمون في الإنفاق في سبيل الله، والمرابطة في الثغور، وتجهيز الغزاة والمقاتلين، وإعداد القادة، وازدياد القوة وغير ذلك من متطلبات هذه الشعيرة الغالية شعيرة الجهاد)، يقول ابن القيم القائل:(وكفى بالعبد عمى وخذلانًا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنازلت الأقران: النزال النزال؛ وهو في الملجأ والمغارات، والمدخل مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر، وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيّزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيْمانه إني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين؛ فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأبخس الأثمان، وأن لا يعرضها غداً بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبت قدميه في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيز إلى مقالة سوى ما جاء في السنّة والقرآن) (معالم السنن، ج 2، ص236).. وللحديث بقية.

محمود عدلي الشريف

[email protected]