الثلاثاء 21 يوليو 2026 م - 6 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : تدوير النفايات الصناعية.. صناعة جديدة للاقتصاد

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 05:10 م

رأي الوطن

10

تُمثِّل الصناعة أحَد أهمِّ محركات النُّمو الاقتصادي، ويقاس نجاحها بحجم الإنتاج، وكفاءة استخدام الموارد، وقدرتها على تحقيق أعلى قِيمة مضافة من كل عنصر يدخل في دورة التصنيع، ومن هذا المنطلق يكتسب الاهتمام بإدارة النفايات الصناعيَّة أهميَّة كبيرة؛ لأنَّ المخلَّفات لم تَعُد تُمثِّل نهاية العمليَّة الإنتاجيَّة، لكن في العصر الحديث أصبحت موردًا اقتصاديًّا يحمل فرصًا واسعة للاستثمار والتصنيع وتحقيق عوائد جديدة، وتأتي الجهود التي تقودها المؤسَّسة العامَّة للمناطق الصناعيَّة (مدائن) بالتعاون مع الشركة العُمانيَّة القابضة لخدمات البيئة (بيئة) لتطوير منظومة إدارة النفايات الصناعيَّة، بما يعكس توجُّهًا وطنيًّا يربط بين التنمية الاقتصاديَّة وحماية البيئة، ويؤكد أنَّ الاستفادة من الموارد تمتد إلى كل ما يمكن استعادته وإعادة توظيفه داخل الدورة الاقتصاديَّة، وهو توجُّه ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة، ويفتح أمام القطاع الصناعي فرصًا جديدة للنُّمو والتوسُّع، لذا فقد عقدت (مدائن) بالتعاون مع الشركة العُمانيَّة القابضة لخدمات البيئة (بيئة) حلقة حول إدارة النفايات الصناعيَّة؛ وذلك بهدف التشجيع على تدوير النفايات الصناعيَّة وإيجاد أفضل الحلول والممارسات لتوفير فرص استثماريَّة واعدة تسهم في إيجاد قِيمة اقتصاديَّة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، ودعم الابتكار في الحلول المستدامة.

ولعلَّ التجارب العالميَّة تقدِّم نماذج واضحة على أنَّ الاقتصادات الأكثر كفاءة هي تلك التي استطاعت تحويل النفايات إلى صناعات قائمة بذاتها، فأصبحت المخلَّفات مصدرًا للمواد الخام، ومدخلًا لقيام مصانع جديدة، وفرصة لتطوير تقنيَّات حديثة في إعادة التدوير واسترداد المواد والطاقة، وقد أسهم هذا التحوُّل في تنويع الأنشطة الاقتصاديَّة، وخلق وظائف جديدة، ورفع مساهمة الصناعات المرتبطة بإعادة التدوير في الناتج المحلِّي، وسلطنة عُمان تمتلك المُقوِّمات التي تؤهلها للمُضي في هذا الاتجاه، في ظل وجود مُدن صناعيَّة متنامية، وبنية تنظيميَّة تتطور باستمرار، ومؤسَّسات تعمل على بناء منظومة متكاملة لإدارة المخلَّفات وفق معايير معتمدة، وهو ما يفتح المجال أمام استثمارات نوعيَّة قادرة على تحويل جزء كبير من النفايات الصناعيَّة إلى منتجات ذات قِيمة اقتصاديَّة، وتقليل الاعتماد على المواد الخام الجديدة، ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

وتحقيق هذه الغاية ينعكس بصورة مباشرة على تنافسيَّة الصناعة الوطنيَّة؛ لأنَّ الأسواق العالميَّة أصبحت تمنح اهتمامًا متزايدًا للممارسات البيئيَّة داخل المنشآت الصناعيَّة، وأصبحت الشركات التي تلتزم بإدارة مواردها بكفاءة وتحسِّن من أدائها البيئي أكثر قدرة على تعزيز حضورها في الأسواق، واستقطاب الشراكات والاستثمارات، كما يسهم خفض كميَّات النفايات المرسلة إلى المرادم، والاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام، في تقليل تكاليف الإنتاج على المدى الطويل، ويمنحان المنشآت الصناعيَّة مرونة أكبر في إدارة مواردها، إلى جانب دعم الابتكار في التقنيَّات الصناعيَّة، وفتح مجالات جديدة أمام روَّاد الأعمال والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة للدخول في أنشطة اقتصاديَّة واعدة ترتبط بإعادة التدوير والخدمات البيئيَّة.

إنَّ بناء منظومة متكاملة لإدارة النفايات الصناعيَّة يحتاج إلى شراكة مستمرة بين الجهات الحكوميَّة والقطاع الخاص والمستثمرين، وإلى ترسيخ ثقافة الاقتصاد الدائري داخل المنشآت الصناعيَّة، وتعزيز برامج التدريب، وتطوير التشريعات، وتوسيع نطاق الحلول التقنيَّة التي تسهم في استرداد المواد والطاقة؛ لأنَّ التنمية الصناعيَّة الحديثة تقوم على حُسن إدارة الموارد قَبل البحث عن موارد جديدة، فكل خطوة نحو توسيع نطاق إعادة التدوير تعني موارد أكثر كفاءة، وصناعة أكثر قدرة على المنافسة، واقتصادًا أكثر تنوعًا واستدامة، وصولًا إلى قطاع صناعي أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر قدرة على تحقيق النُّمو المستدام.