الثلاثاء 21 يوليو 2026 م - 6 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : حماية تصنع اقتصادا أقوى

الاثنين - 20 يوليو 2026 05:10 م

رأي الوطن

80

تُمثِّل الملكيَّة الفكريَّة أحَد الأعمدة التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة؛ لأنَّها تحمي ثمرة الإبداع، وتحوِّل الفكرة إلى أصل اقتصادي يمتلك قِيمة قانونيَّة وتجاريَّة، وأصبحت الدول التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها تمنح هذا الملف اهتمامًا متزايدًا؛ انطلاقًا من إدراكها أنَّ الابتكار يحتاج إلى بيئة تمنح صاحبه الثقة في أنَّ جهده محفوظ، وحقوقه مصونة، وفي هذا الإطار يكتسب الاهتمام المتزايد بتسجيل التصاميم الصناعيَّة في سلطنة عُمان أهميَّة خاصَّة؛ لأنَّه يعكس تنامي الوعي بأهميَّة التصميم الصناعي بوصفه عنصرًا مؤثرًا في بناء المنتج الوطني وتعزيز حضوره في الأسواق. والأرقام الواردة من المكتب الوطني للملكيَّة الفكريَّة تحمل دلالة واضحة؛ فقد بلغ عدد طلبات التسجيل خلال العام الماضي (34) طلبًا، فيما وصل العدد خلال النصف الأول من العام الجاري إلى (32) طلبًا، وهو مؤشِّر يعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذا المجال، ويعطي صورة إيجابيَّة عن تطوُّر ثقافة الابتكار داخل المؤسَّسات والأفراد.

ولعلَّ القِيمة الحقيقيَّة للتصميم الصناعي لا تتوقف عند شكله الخارجي؛ فهو يضيف إلى المنتج هُويَّة تميِّزه عن غيره، ويمنحه حضورًا مختلفًا في السوق، ويرفع قدرته على جذب المستهلك. ولهذا، أصبحت كبرى الشركات العالميَّة تستثمر مبالغ كبيرة في تطوير تصاميم منتجاتها؛ لأنَّ المنافسة تشمل، بجانب جودة المنتج، الشكل، وسهولة الاستخدام، والهُويَّة البصريَّة، والتجربة التي يقدِّمها للمستهلك، وعندما يحظى التصميم بالحماية القانونيَّة، يتحول إلى ميزة تنافسيَّة يصعب تقليدها، ويصبح أحد عناصر القوَّة التجاريَّة للشركة. وتتجلى أهميَّة الحماية بصورة أكبر في قطاعات مثل: الأثاث، والأعمال الخشبيَّة، والإضاءة، والحلي، والمجوهرات، والمنسوجات، والحِرف اليدويَّة، والأجهزة الإلكترونيَّة، وهي قطاعات تمتلك فرصًا واسعة للنُّمو، ويمكن أن تقدِّم منتجات عُمانيَّة تحمل هُويَّة وطنيَّة قادرة على المنافسة داخل الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة.

ولا يقتصر أثر حماية الملكيَّة الفكريَّة على أصحاب التصاميم وحدهم؛ فالمستفيد الحقيقي هو الاقتصاد الوطني بأكمله. فالحماية القانونيَّة تشجِّع المستثمرين على ضخِّ مزيدٍ من الأموال في الصناعات الإبداعيَّة؛ لأنَّ البيئة التي تصون الحقوق تمنح المستثمر قدرًا أكبر من الثقة والاستقرار، ولهذا تنظر الاقتصادات المتقدمة إلى الملكيَّة الفكريَّة بوصفها أحَد مُكوِّنات التنمية الاقتصاديَّة، وتربطها بالابتكار والإنتاج وزيادة الصادرات، فكلَّما ارتفعت قدرة الدولة على حماية الإبداع، ارتفعت قدرتها على إنتاج سلع وخدمات تمتلك قِيمة سوقيَّة أعلى، وأسهمت بصورة أكبر في دعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق أهداف التنويع، ودعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

إنَّ ما تشهده سلطنة عُمان من اهتمام متواصل بتطوير منظومة الملكيَّة الفكريَّة يُمثِّل خطوةً مهمَّة في مسار بناء اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار، ويواكب مستهدفات التنويع الاقتصادي، ويمنح المبدعين وأصحاب المشروعات الثقة اللازمة لتطوير أفكارهم وتحويلها إلى منتجات تحمل قِيمة اقتصاديَّة حقيقيَّة، ويظل نشر ثقافة التسجيل والحماية بين روَّاد الأعمال، والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، والحرفيين، والطلبة، والباحثين، أحَد أهمِّ الاستثمارات في المستقبل؛ فالاقتصاد الذي يحمي أفكاره يمتلك القدرة على بناء منتجات أكثر تنافسيَّة، وشركات أكثر نموًّا، وصادرات أكثر حضورًا في الأسواق العالميَّة.