الأربعاء 22 يوليو 2026 م - 7 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رواية للكاتب سعيد السيابي .. «جسور متداعية.. حين يصبح الرحيل سؤالا لا إجابة» «2-2»

رواية للكاتب سعيد السيابي .. «جسور متداعية.. حين يصبح الرحيل سؤالا لا إجابة» «2-2»
الأربعاء - 08 يوليو 2026 02:22 م
20

يجدر هنا التوقف عند ما يميز هذه الرواية عن كثير من روايات الاغتراب العربية، ألا وهو خصوصيتها العُمانية، ففي الأدب الخليجي تبقى روايات الاغتراب والبحث عن الذات نادرة نسبيا مقارنة بنظيراتها المشرقية والمغاربية، ولذلك فإن (السيابي) يكتب من مكان يكاد يكون بكراً، بطله لا يحمل فقط ثقل الهوية العربية العامة، بل ثقل الهوية العُمانية تحديداً، هوية تتشابك فيها الجبال والبحر وتقاطع الحضارات في موقع جغرافي فريد جعل سلطنة عُمان دائماً ممراً بين عوالم متعددة دون أن تذوب في أي منها. هذا الانتماء الهجين تاريخياً ينعكس على البطل، فهو لا يهرب من مجتمع مقيد إلى عالم حر بالمعنى الساذج، إنما يهرب من هوية مركبة نحو هويات أخرى مركبة بطريقة مختلفة، لا المشرق العربي في القاهرة يحتضنه كلياً، ولا الغرب في باريس يرى فيه إلا «الآخر» الذي يحتاج إلى وسيط كـ»أنجل» كي يُفهم، وهذا الشعور بالتحول إلى موضوع في عيون الآخرين لا ذاتاً مستقلة، هو من أعمق ما تعبر عنه الرواية حتى حين لا تصرح به.

ولا يمكن قراءة رواية (جسور متداعية) دون استحضار بعض الأعمال الكبرى في أدب الاغتراب العربي، ليس لمقارنة الروائي (السيابي) بأصحابها ابتداءً، إنما لفهم أين يقف هو بينها. فـ«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح جعلت من الاغتراب معركة حضارية محتدمة، و»رجال في الشمس» لغسان كنفاني حولته إلى موت مؤجل، أما في «جسور متداعية» فالاغتراب أقل أيديولوجية وأكثر وجودية. البطل لا يريد أن يغزو ولا يريد أن يثأر، هو يريد أن يعرف من هو؟! وهذا التساؤل الأبسط في صياغته قد يكون الأصعب في إجابته. وفي هذا يقترب (السيابي) روحياً من أدب الجيل العربي الجديد الذي يرفض الروايات الكبرى ليطرح أسئلة أصغر حجماً وأكثر صدقاً، مثل: كيف تعيش؟ كيف تكتب؟ كيف تحب؟ في مكان لا يعرف اسمك ولا تعنيه جذورك؟

أما عنوان الرواية فلم يأت اختيارا لسد فراغ العتبات، إنما هو الثيمة المركزية التي ترمز للروابط الهشة بين الثقافات، والصلة الممزقة بين ماضي البطل وحاضره، والعلاقات الإنسانية التي يبنيها لتنهار سريعاً. الجسور في الرواية متعددة: الجسر بين سلطنة عُمان والعالم، بين الأب والابن، بين اللغة والمعنى، وبين الثقافات التي يعبرها البطل دون أن ينتمي لأي منها، وتداعي هذه الجسور ليس كارثيا بالمعنى الدرامي، إنما هو صمت ذلك الانهيار التدريجي الذي لا يشعر به إلا حين يكتمل السقوط وتقع المصائب.

من الناحية الفنية لا يمكن تأطير الرواية ضمن مدرسة أدبية واحدة؛ فهي تتقاطع مع الرومانسية في بداياتها عبر تضخيم المشاعر والهروب نحو المجهول، وتغوص في أدب الاغتراب والمنفى بتجسيدها لصدمة الهوية واللاانتماء، كما تعتمد على الواقعية النفسية في تحليل دوافع البطل ومخاوفه، قبل أن تتبنى تقنيات رواية الإثارة في فصولها الأخيرة. واللافت في البناء الفني أن الكاتب اعتمد على السرد الذاتي بضمير المتكلم، وهو خيار موفق أتاح للقارئ الغوص في أعماق الشخصية ومشاركتها هواجسها. كما جاءت لغة (السيابي) مشحونة بعاطفة عالية ومكثفة، وقادرة على نقل قسوة السجن في القاهرة وبرودة الثلج في موسكو.

ومع ذلك لا يخلو النص من بعض المآخذ، ففي أحيان عدة يطغى صوت «المؤلف المفكر» على صوت الشخصية الروائية، حيث تنزلق اللغة نحو التقريرية والمباشرة في تقديم التأملات الفلسفية حول الحياة والموت، مما يقلل من حيوية المشهد السردي، ويجعل القارئ يشعر أحياناً بأنه يستمع إلى محاضرة أكثر من كونه يعيش تجربة، وهنا من يعرف الروائي وتخصصه الأكاديمي يتوصل إلى الالتماس والتأثير الحاصل بين الفاصل في الكتابة الإبداعية والتأثير الأكاديمي.

(جسور متداعية) ليست رواية مكتملة ولا ينبغي عليها أن تحمل الكمال بالمعنى الأكاديمي الصارم، فهي رواية التساؤلات المفتوحة والتفاوت في الإيقاع، والانزلاق الأسلوبي فيها نحو التقريرية شيء لا يمكن نكرانه، إنما تبريره من ناحية تعدد الشخصيات ومنطلقاتها الفكرية، فهناك الثائر والمتردد والمتحسس والهارب والمغترب، لكنها رواية حيّة، وهذا هو الأهم بالنسبة لي كقارئ. الرواية فيها كاتب يأخذ مخاطرة حقيقية، ويكتب عن أفكار تحمل مآزق لا يملك لها حلاً، ويعرض انكساراتها وسقطوها وتحولها على الورق بدون أن يكون لديه ادعاء امتلاك الإجابات. وربما هذا هو الفارق بين الكتابة كأداء والكتابة كضرورة، وهذا ما حاول الكاتب (السيابي) أن يقوله لنا بصوت مسموع، بأن نجلس أمام الورق ولا نعرف كيف سينتهي، وأن ينتهي مع ذلك، ولكن يبقى ما كتبه يسأل بدلاً منه. الروائي سعيد السيابي يسأل من أعماق قلبه وهذا يكفي.

استعراض ــ د. مرزوق بشير

باحث وناقد قطري

رواية للكاتب سعيد السيابي .. «جسور متداعية.. حين يصبح الرحيل سؤالا لا إجابة» «2-2»