الثلاثاء 28 يوليو 2026 م - 13 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

حوكمة الذكاء الاصطناعي وصياغة القواعد الدولية

حوكمة الذكاء الاصطناعي وصياغة القواعد الدولية
الأربعاء - 08 يوليو 2026 05:01 م

جودة مرسي

20

شاركت سلطنة عُمان في الدورة الأولى للحوار العالمي للأمم المتحدة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، التي عُقدت يومَي الاثنين والثلاثاء الماضيين في مدينة جنيف بمشاركة ممثلين عن (193) دولة، على هامش القمَّة العالميَّة لمُجتمع المعلومات، ضمن محطَّة تاريخيَّة في مسار تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. ويُعَدُّ هذا الحوار أول منصَّة رسميَّة تطلقها الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة لتوحيد الرؤى بين الدول حول المبادئ المنظمة للذكاء الاصطناعي، ووضع أُسس للتعاون الدولي في هذا المجال. وتشارك السلطنة في هذا الحدث العالمي في خطوة تعكس الاهتمام ببناء اقتصاد رقمي قائم على الابتكار والتقنيَّات الحديثة. وحوكمة الذكاء الاصطناعي هي مجموعة من القواعد والسياسات والمعايير التي تضمن تطوير واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة وشفافة وعادلة، وتحترم حقوق الإنسان، مع تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وتقليل المخاطر المحتملة، مثل انتهاك الخصوصيَّة، والتحيز في الخوارزميَّات، والأمن السيبراني، والمسؤوليَّة القانونيَّة عن القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكيَّة.

تأتي أهميَّة مشاركة السلطنة في توقيت بالغ الأهميَّة، خصوصًا مع تنفيذ البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيَّات الرقميَّة المتقدمة، الذي يستهدف تحويل السلطنة إلى مركز إقليمي للتقنيَّات الحديثة ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040». وتبرز أهميَّة المشاركة في عدة جوانب، منها: الإسهام في صياغة القواعد الدوليَّة التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلًا من الاكتفاء بتطبيقها لاحقًا، بالإضافة إلى تعزيز مكانة السلطنة دوليًّا باعتبارها دولة فاعلة في الاقتصاد الرقمي والتحوُّل التقني، مع نقل أفضل الممارسات العالميَّة في مجالات التشريعات والأخلاقيَّات وحماية البيانات. وسيساعد هذا على بناء شراكات دوليَّة مع الحكومات والمنظَّمات والشركات العالميَّة لتطوير مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل السلطنة، مع رفع كفاءة الكوادر الوطنيَّة عبر الاطلاع على أحدث التجارب الدوليَّة في الحوكمة والتنظيم. وتأتي الانعكاسات الاقتصاديَّة من خلال تطبيق مبادئ حوكمة الذكاء الاصطناعي ليحقق العديد من المكاسب، منها: زيادة ثقة المستثمرين في البيئة الرقميَّة العُمانيَّة، وجذب الشركات العالميَّة لإنشاء مراكز بحث وتطوير، مع دعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتسريع التحوُّل الرَّقمي في القطاعين الحكومي والخاص، وتحسين الإنتاجيَّة وخفض تكاليف التشغيل عبر الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتقليل المخاطر القانونيَّة مع منح المستثمرين وضوحًا أكبر بشأن استخدام البيانات والتقنيَّات الذكيَّة. كما أن للأبعاد الاجتماعيَّة نصيبًا من الذكاء الاصطناعي؛ حيث تسهم الحوكمة في حماية خصوصيَّة الأفراد وبياناتهم، ومنع التمييز والتحيز في الأنظمة الذكيَّة، وتعزيز الثقة المُجتمعيَّة في الخدمات الرقميَّة، مع إعداد القوى العاملة للتعامل مع التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. أمَّا من ناحية الأبعاد الحكوميَّة، فسوف تساعد مخرجات الحوار العالمي الحكومات على إعداد تشريعات حديثة للذكاء الاصطناعي، وتنظيم استخدامه في القضاء والصحة والتعليم والخدمات الحكوميَّة، مع وضع معايير للمساءلة والشفافيَّة عند استخدام الأنظمة الذكيَّة، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية الرقميَّة الوطنيَّة، بما ينسجم مع أهداف رؤية «عُمان 2040» التي تركز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلِّي، وتطوير الكفاءات الوطنيَّة في التقنيَّات المتقدمة، مع توسيع الاستثمار في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي. وسينتج عن كل هذه المعطيات تعزيز تنافسيَّة السلطنة في المؤشِّرات العالميَّة للتحوُّل الرقمي.

تتوقع القراءة المستقبليَّة أن يشهد العالم خلال السنوات المقبلة انتقالًا من مرحلة التوسُّع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التنظيم العالمي المشترك؛ ولذلك فإن مشاركة سلطنة عُمان منذ الدورة الأولى للحوار العالمي تمنحها فرصة للإسهام في صياغة القواعد الدوليَّة، والاستفادة من الخبرات العالميَّة، وترسيخ مكانتها كدولة تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة وأخلاقيَّة لخدمة التنمية المستدامة، بما يُعزِّز قدرتها على جذب الاستثمارات، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»