بعض الروايات تقرأها فتنتهي منها، وثمة روايات تقرأها فتنتهي منك، رواية (جسور متداعية) للكاتب العماني سعيد بن محمد السيابي، الصادرة عام 2025م، تنتمي إلى الصنف الثاني، ليس لأنها مثالية البناء أو مكتملة الأدوات، وإنما لأنها تنشغل بأسئلة تمس الإنسان في جوهره وتلامس تجربته بعمق، وهذا وحده كافٍ لتستحق قراءة نقدية جادة. وهذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.
تنطلق الأحداث من قرية جبلية في سلطنة عُمان، حيث ينشأ البطل في عائلة محافظة يهيمن عليها أبٌ ضرير يمتلك من البصيرة ما يعوض به غياب البصر، هذه الثنائية، العمى الجسدي في مقابل الرؤية الداخلية، ليست جملة عابرة في السياق، إنها تلخص الصراع الجوهري في الرواية كلها، من حيث يرى فعلا، ومن يعتقد أنه يرى؟ والأب في الرواية لا يمثل مجرد سلطة أبوية صارمة، إنما هو صوت المكان كله؛ صوت الجبل والعزلة والجذور التي تشد بعنف عندما يسعى أحد لاقتلاعها. يقرر الشاب بطموحه الخروج من شرنقة القرية وإمكانياتها إلى رحابة المدينة وأتساعها رغم المعارضة الظاهرة بمنطق الصراع الداخلي في السفر نحو البعيد، إلى القاهرة، مدفوعا بذلك الشوق الذي لا اسم له، والذي يعرفه كل من غادر يوما ولم يكن يعرف تماما لماذا. في القاهرة لا يجد البطل الحرية التي تخيلها، إنما يواجه العالم على نحو مكشوف، أضيق أفقا وأقسى ظروفًا.
تجمعه الأقدار بالشاعر «منير سلام»، ذلك النموذج المتكرر في الأدب العربي: المثقف الذي يحترق بأفكاره قبل أن يحرق بها شيئا آخر. وعندما يُزَج بهما في السجن إثر حملة أمنية، تتحول الزنزانة الضيقة إلى فضاء فلسفي مفتوح على نحو مفارق، خارج القضبان يبدو كل شيء واسعا وضيقا في آن، وداخلها يتسع الوعي حين لا يجد أمامه سوى الجدران. هذا الجزء من الرواية هو الأكثر إقناعا، لأن (السيابي) لا يكتفي بوصف السجن كمحنة، إنما يجعله بوتقة تتشكل فيها قناعة البطل بأن الكلمة ليست معزولة، وأن الكتابة ليست مجرد هواية، فهي الرد الوحيد الممكن على العنف حين يسلب من الإنسان كل الأسلحة الأخرى. وما يمنح هذه المرحلة عمقها الحقيقي هو أن السجن لم يحطم البطل، لكن صنعه، أو بدأ في صنعه على الأقل، وهو ما سيتضح لاحقا حين يتحول إلى كاتب يحاول ترجمة تجربته إلى رواية يكتبها في المنفى.
بعد الإفراج عنه يتجه البطل إلى باريس، هنا يتوقع القارئ انفراجا من الأحداث التي تقع، لكن (السيابي) يرفض هذا التوقع في واحدة من أذكى لحظات الرواية، فباريس المدينة لا تمنحه السكينة، يحاول أن يعمل البطل في مهن بسيطة، ويتشبث بالكتابة كما يتشبث الغريق بما يطفو، محاولا صياغة رواية عن جذوره. أي إنه يكتب عما هرب منه، بينما يواصل الهرب، وهذه المفارقة لا يصرح بها (السيابي) مباشرة، لكنها تسري في النص كتيار خفي. تتسع دائرة علاقاته لتشمل صديقتين تمثلان نوعا من الدفء الإنساني، وهنا تظهر المستشرقة «أنجل» التي تلعب دور الوسيط الثقافي في ترجمة عمله. وهنا يكشف (السيابي) عن وعي ثقافي لافت، فـ»أنجل» ليست مجرد شخصية مساعدة، بل تجسيد لإشكالية قديمة متجددة، وهي هل يحتاج الأدب العربي إلى وسيط غربي كي يسمع؟ وهل هذه الوساطة دعم أم نوع آخر من الهيمنة؟.
غير أن المدينة لا تنقذه في النهاية بطريقتها الهادئة، أحداث شغب، وتهديدات غامضة، وإحساس متصاعد بأن لا مكان يقبله كما هو. وفي الثلث الأخير من الرواية، يقع الروائي السيابي في اختبار جريء ومحفوف بالمخاطر، إذ تنعطف الرواية بشكل مباغت نحو أدب الجاسوسية والإثارة، فيجد البطل نفسه مكلِّفًا بمهمة مراقبة في مؤتمر دولي بموسكو، متقمصا شخصية أستاذ تركي، ويقف خلف ذلك كله شخص غامض يدعى «مشعل». هذا التحول يمنح الرواية طاقة تشويقية لا يمكن إلا وتتبع تفاصيلها، لكنه يفتح جرحًا في وحدتها العضوية، إذ إن انتقال البطل من مثقف حالم ومكتئب إلى ما يشبه العميل المحترف لا يبدو ممهدا له نفسيًّا ودراميًّا بالقدر الكافي. كما أن شخصيات مثل «مشعل» و»ناتاشا» الروسية تبقى في إطار وظيفتها الحكائية أكثر مما تتحول إلى شخصيات نابضة بالحياة. ومع ذلك يمكن الدفاع عن هذا الاختيار من الكاتب بمبرر ربما أراده أن يقول فيه: إن المثقف المغترب، حين تستنزفه الحياة كفاية، يصبح قابلا لأن يُستخدم، وأن يتحول من فاعل إلى أداة، وهي فكرة مؤلمة وذات دلالة عميقة في سياق عالم تتآكل فيه استقلالية الفرد أمام قوى أكبر منه بكثير.
استعراض ــ د. مرزوق بشير
باحث وناقد قطري