الأحد 28 يونيو 2026 م - 13 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : فرص الاستثمار العُماني ـ السوداني بالنقل والموانئ واللوجستيات

في الحدث : فرص الاستثمار العُماني ـ السوداني بالنقل والموانئ واللوجستيات
الأحد - 28 يونيو 2026 10:17 ص

طارق أشقر


تُشكِّل مذكرة التفاهم التي وقَّعتها سلطنة عُمان ـ ممثلةً بشركة موانئ أسياد والمناطق الحُرَّة التابعة لمجموعة أسياد ـ مع جمهوريَّة السودان ـ ممثلةً بهيئة الموانئ البحريَّة ـ خطوةً استراتيجيَّة مهمَّة نحو بناء شراكة اقتصاديَّة واعدة في قطاعات النقل والموانئ والخدمات اللوجستيَّة، مستندةً إلى تكامل واضح بين الخبرات والإمكانات العُمانيَّة والفرص الاستثماريَّة الكبيرة التي يمتلكها السودان.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه سلطنة عُمان إلى تعزيز مكانتها المميزة كمركز لوجستي عالمي، ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، فيما يعمل السودان على إعادة تأهيل بنيته الأساسيَّة، واستثمار موقعه الجغرافي الفريد لدعم جهود التنمية وإعادة الإعمار.

كما تُعَدُّ هذه الخطوة فرصةً سانحة للطرفين لمزيدٍ من الاستفادة من مقدراتهما، خصوصًا أن السودان ـ وفق هيئة الموانئ البحريَّة السودانيَّة ـ يمتلك ساحلًا على البحر الأحمر يمتد لنحو (750) كيلومترًا، حيث يضم عددًا من الموانئ التجاريَّة المتخصصة، يتقدمها ميناء بورتسودان، الذي يُمثِّل الشريان الرئيس للتجارة الخارجيَّة السودانيَّة، والبوابة البحريَّة لدول مجاورة غير ساحليَّة، مثل تشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى وغيرها، في حين تُمثِّل هذه الموانئ فرصًا واعدةً للاستثمار في تطوير محطَّات الحاويات، والأرصفة المتخصصة، والخدمات البحريَّة المساندة، والمناطق اللوجستيَّة، ومراكز إعادة التصدير.

وفي المقابل، تمتلك سلطنة عُمان خبرات تشغيليَّة متقدمة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستيَّة؛ إذ إنها ـ وفق مجموعة أسياد ـ ترتبط الموانئ العُمانيَّة بأكثر من (86) ميناءً في أكثر من (40) دولة حول العالم، فيما تدير المجموعة منظومةً متكاملة تشمل موانئ صلالة وصحار والدقم وميناء السُّلطان قابوس، والموانئ الجافة، وشبكات النقل والخدمات اللوجستيَّة، ما يمنحها خبرةً عمليَّة يمكن توظيفها في تطوير الموانئ السودانيَّة ورفع كفاءتها التشغيليَّة.

ولا تقتصر فرص التعاون المرجوة على الموانئ البحريَّة وحدها؛ إذ يمكن أن تمتد إلى قطاع السكك الحديديَّة، الذي يُعَدُّ أحد أهم الأصول الاستراتيجيَّة غير المستغلة بالكامل في السودان. فحسب هيئة سكك حديد السودان، تم إنشاء شبكة السكك الحديديَّة السودانيَّة في أواخر القرن التاسع عشر، فيما تم ربط الخرطوم بميناء بورتسودان عام 1906، ثم توسعت الشبكة تدريجيًّا فوصلت إلى نحو (5800) كيلومتر، لتصبح إحدى أكبر شبكات السكك الحديديَّة في أفريقيا، غير أنها تعرَّضت لعمليَّات تدمير واسعة شلَّت قدرتها وقلَّصت إسهامها في إجمالي الناتج المحلِّي.

وتبرز أهميَّة قطاع السكك الحديديَّة في كونه الحلقة المفقودة بين الموانئ ومناطق الإنتاج الزراعي والتعديني؛ لذلك فإن إعادة تأهيلها وربطها بالموانئ والمناطق اللوجستيَّة يمكن أن يُخفِّض تكاليف النقل، ويزيد كفاءة حركة البضائع والصادرات. وفي حين تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكاليف الخدمات اللوجستيَّة في العديد من الدول الإفريقيَّة تتراوح بين (30) و(40) بالمئة من تكلفة السلع المتداولة، مقارنةً بنحو (8) إلى (10) بالمئة في الاقتصادات المتقدمة، فإن ذلك يعكس حجم العائد المتوقع من تطوير البنية الأساسيَّة للنقل والربط اللوجستي في السودان.

وعليه، يمكن أن تشمل الاستثمارات المشتركة تطوير محور النقل بين بورتسودان والخرطوم، وإنشاء مراكز نقل متعددة الوسائط، وموانئ جافة، ومستودعات حديثة، إضافةً إلى تطوير أنظمة التحوُّل الرقمي وإدارة الموانئ وسلاسل الإمداد، فيما يمكن أن تستفيد الصادرات السودانيَّة الزراعيَّة والحيوانيَّة والمعدنيَّة من شبكة الموانئ العُمانيَّة وعلاقاتها التجاريَّة الواسعة للوصول إلى أسواق الخليج وآسيا وشرق إفريقيا بكفاءة أكبر.

كما تكتسب هذه الفرص أهميَّة إضافيَّة في ظلِّ التوقُّعات السكانيَّة والاقتصاديَّة المتنامية في شرق ووسط إفريقيا؛ إذ يتَّجه عدد سكان دول شرق إفريقيا، وفق تقديرات الأمم المتحدة، إلى تجاوز (500) مليون نسمة خلال العقود المقبلة، مما سيعزز الطلب على خدمات النقل والتخزين وإعادة التصدير.

لذلك، فإن مذكرة التفاهم بين سلطنة عُمان والسودان يمكن أن تؤسِّس لشراكة استراتيجيَّة طويلة الأمد، تسهم في إنشاء ممر لوجستي متكامل يربط الموانئ السودانيَّة على البحر الأحمر بالأسواق الإفريقيَّة، مستفيدًا من الخبرة التشغيليَّة والقدرات الاستثماريَّة العُمانيَّة. وإذا تم تحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع عمليَّة، فإنها ـ بلا شك ـ ستُمثِّل نموذجًا ناجحًا لتكامل اقتصادي عربي في قطاع يُعَدُّ من أكثر القطاعات قدرةً على تحفيز النمو، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية المستدامة لصالح الشَّعبين الشقيقين.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»