الأحد 28 يونيو 2026 م - 13 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : المبادئ تصنع استقرار العالم

الأحد - 28 يونيو 2026 03:24 م

رأي الوطن


تُمثِّل مشاركة سلطنة عُمان في التوقيع على وثيقة (ميثاق الأمم المتحدة 80) رسالة سياسيَّة وقانونيَّة تؤكد أن المبادئ التي قام عليها النظام الدولي قبل ثمانية عقود ما زالت تُمثِّل الإطار الأكثر قدرة على تنظيم العلاقات بين الدول، وصون الأمن والسِّلم الدوليين، وترسيخ قيم التعاون والاحترام المتبادل. فالاحتفاء بذكرى التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة لا يقتصر على استعادة حدث تاريخي وقع في السادس والعشرين من يونيو عام 1945، وإنما يعيد التأكيد على أن العالم ـ رغم ما يشهده من أزمات وصراعات وتحوُّلات متسارعة ـ لا يزال بحاجة إلى مرجعيَّة قانونيَّة وأخلاقيَّة تحكم العلاقات الدوليَّة، وتحافظ على حقوق الدول، وتمنح الشعوب أملًا في مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة. ومن هذا المنطلق، جاءت مشاركة سلطنة عُمان في هذه المبادرة الدوليَّة امتدادًا طبيعيًّا لنهجها السياسي الذي يؤمن بأن الالتزام بالمواثيق الدوليَّة يُعَدُّ ركيزة أساسيَّة لتحقيق الأمن والتنمية، وأن احترام القانون الدولي هو الضمان الحقيقي لبناء عالم أكثر توازنًا.

لقد قدَّمت السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة ـ على مدى عقود ـ نموذجًا عمليًّا لتجسيد مبادئ ميثاق الأمم المتحدة في الواقع؛ إذ قامت على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخليَّة، واعتماد الحوار وسيلة لتسوية الخلافات، وإعلاء قيم التفاهم والتعاون بين الشعوب. وهذه المبادئ تحوَّلت إلى ممارسة أكسبت سلطنة عُمان مكانة دوليَّة مرموقة، ورسَّخت الثقة في مواقفها لدى مختلف الأطراف، وخلقت احترامًا كبيرًا بين دول العالم كافة لجهود البلاد في الحفاظ على الاستقرار والأمن والأمان. ويأتي تجديد الالتزام بوثيقة (ميثاق الأمم المتحدة 80) ليؤكد أن النهج العُماني يستند إلى قناعة راسخة بأن السلام المستدام لا يتحقق إلَّا عبر الالتزام بالقانون الدولي والعمل الجماعي، وأن الأمم المتحدة ـ رغم التحدِّيات التي تواجهها ـ تظل الإطار الجامع القادر على تعزيز التفاهم بين الدول، وصياغة الحلول المشتركة للقضايا العالميَّة.

إنَّ أهميَّة ميثاق الأمم المتحدة اليوم تتجاوز البُعد السياسي إلى أبعاد اقتصاديَّة وإنسانيَّة وتنمويَّة واسعة؛ فالعالم يواجه تحدِّيات متشابكة تتعلق بالتغيُّر المناخي، والأمن الغذائي، والأزمات الاقتصاديَّة، والهجرة، والكوارث الإنسانيَّة، وهي ملفات لا تستطيع أي دولة معالجتها منفردة مهما بلغت إمكاناتها. لذلك أصبح العمل متعدد الأطراف ضرورة استراتيجيَّة تفرضها طبيعة التحدِّيات المعاصرة، وأصبح الالتزام بالميثاق الأممي أحد المُقوِّمات الأساسيَّة لتحقيق التنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الأمن الجماعي. لذا فإن إيمان سلطنة عُمان بالتعدديَّة الدوليَّة يعكس قراءة واقعيَّة لمتطلبات المرحلة، ويؤكد أن التعاون الدولي لم يَعُدْ خيارًا دبلوماسيًّا، لكنه أصبح ضرورة لتحقيق الاستقرار والازدهار، وهو ما ينسجم مع رؤيتها الداعمة للشراكات الدوليَّة القائمة على المساواة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وتواصل سلطنة عُمان ترجمة هذا الإيمان إلى مواقف عمليَّة من خلال إسهاماتها الإيجابيَّة في منظومة الأمم المتحدة، ودعمها لجهود التنمية، ومشاركتها في المبادرات الإنسانيَّة، ومساندتها لكل الجهود الرامية إلى إحلال السلام وتسوية النزاعات بالوسائل السلميَّة. وقد أثبتت التجارب أن الدول التي تلتزم بالمواثيق الدوليَّة وتتمسك بالحوار والتعاون تمتلك قدرة أكبر على بناء علاقات مستقرَّة، وتحقيق مصالحها الوطنيَّة وتعزيز مكانتها العالميَّة؛ ولهذا فإن تجديد سلطنة عُمان التزامها بميثاق الأمم المتحدة يجسِّد رؤية وطنيَّة ثابتة تؤمن بأن احترام القانون الدولي هو أساس الأمن، وأن التعاون هو الطريق الأقصر نحو التنمية، وأن مستقبل العالم سيكون أكثر استقرارًا كلَّما ازداد تمسُّك المُجتمع الدولي بالمبادئ التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة، بوصفه الوثيقة التي ما زالت تُشكِّل الضمير القانوني والأخلاقي للعلاقات بين الأمم.