الأحد 28 يونيو 2026 م - 13 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

تغير المناخ وتأثيره المالي

تغير المناخ وتأثيره المالي
السبت - 27 يونيو 2026 10:28 ص

جودة مرسي

20

أصبح تغيُّر المناخ اليوم قضيَّة اقتصاديَّة وماليَّة بقدر ما هو قضيَّة بيئيَّة؛ حتى إن البنوك المركزيَّة والمؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدوليَّة، تنظر إليه باعتباره أحد التحدِّيات الرئيسة للاستقرار المالي العالمي خلال العقود المقبلة. فما المقصود بالاستقرار المالي؟ الاستقرار المالي هو قدرة النظام المالي في الدولة، من بنوك وشركات تأمين وأسواق مال، على العمل بكفاءة وتحمُّل الصدمات الاقتصاديَّة دون حدوث أزمات ماليَّة أو انهيارات تؤثر في النمو الاقتصادي وفرص العمل ومستوى المعيشة. ويؤثر تغيُّر المناخ على الاستقرار المالي بزيادة الخسائر الاقتصاديَّة المباشرة عندما تتعرض دولة ما لموجات جفاف أو فيضانات أو أعاصير أو ارتفاع شديد في درجات الحرارة، ممَّا يؤدي إلى تضرر الزراعة والإنتاج الغذائي والمصانع والشركات وقطاع السياحة. وكل هذه الخسائر تقلل الإنتاج والدخل وتؤثر في قدرة الشركات والأفراد على سداد القروض، ما يزيد الضغط على البنوك.

ثم يأتي ارتفاع المخاطر على البنوك؛ فإذا تعرضت مناطق زراعيَّة أو صناعيَّة لأضرار مناخيَّة كبيرة، فقد يعجز المقترضون عن سداد ديونهم، فتزداد القروض المتعثرة في البنوك. ومع تكرار هذه الظواهر، قد تضطر البنوك إلى اتخاذ عدَّة إجراءات احترازيَّة، منها زيادة المخصصات الماليَّة، وتشديد شروط الإقراض، وتقليل التمويل الموجَّه للمشروعات الجديدة. وبطبيعة الحال، يؤدي هذا إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي. كما تتعرض شركات التأمين، التي تعتمد على تقدير المخاطر، لضغوط متزايدة؛ فمع تزايد الكوارث الطبيعيَّة، ترتفع التعويضات المدفوعة، وتزداد أقساط التأمين، وقد تنسحب بعض الشركات من الأسواق عالية المخاطر، وهذا يرفع تكلفة ممارسة الأعمال والاستثمار. أمَّا الأسواق الماليَّة، مثل أسواق الأسهم والسندات، فتتأثر بتوقعات المستثمرين؛ فعلى سبيل المثال، قد تنخفض قيمة الشركات المعتمدة على الوقود الأحفوري إذا فُرضت ضرائب كربونيَّة جديدة، ومن الممكن أن ترتفع قيمة شركات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، وهذا التحول السريع قد يسبب تقلُّبات حادَّة في الأسواق الماليَّة.

إلى جانب الكوارث الطبيعيَّة، هناك ما يُسمى «مخاطر التحول»؛ فالعالم يتَّجه نحو خفض الانبعاثات الكربونيَّة، والتوسُّع في الطاقة النظيفة، وتشديد القوانين البيئيَّة. وهذا قد يجعل بعض الأصول التقليديَّة أقل قيمة أو غير مربحة مستقبلًا، وهو ما يُعرف بالأصول العالقة، خصوصًا في قطاعات النفط والفحم والأنشطة كثيفة الانبعاثات. كما يأتي التأثير على الماليَّة العامة للدول؛ فالحكومات تتحمل أعباء إضافيَّة، مثل إصلاح البنية الأساسيَّة المتضررة، ودعم المتضررين من الكوارث، والاستثمار في مشروعات التكيُّف المناخي، وتطوير شبكات المياه والطاقة، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الدَّين العام والضغط على الموازنات العامَّة. وتولي سلطنة عُمان وشقيقاتها بمجلس التعاون الخليجي أهميَّة خاصَّة لهذا الملف بسبب تحدِّيات ارتفاع درجات الحرارة، وما ينتج عنها من ظواهر مناخيَّة طارئة، وكذلك ندرة المياه والحاجة إلى تنويع الاقتصاد. ولذلك، تعمل سلطنة عُمان على تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد المستدام ضمن رؤية «عُمان 2040»؛ بهدف حماية الاستقرار المالي وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وهو ما يعطي فرصًا ماليَّة واستثماريَّة جديدة. ولا يقتصر تغيُّر المناخ على المخاطر فقط، بل يخلق فرصًا كبيرة في الطاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، والسندات والصكوك الخضراء، وتقنيَّات تحلية المياه، والمُدن الذكيَّة، والبنية الأساسيَّة المستدامة.

لهذا تتنافس الدول حاليًّا على جذب الاستثمارات الخضراء باعتبارها أحد محركات النمو في المستقبل.

إن العلاقة بين تغيُّر المناخ والاستقرار المالي أصبحت مباشرة ووثيقة؛ فكلَّما زادت المخاطر المناخيَّة ارتفعت الضغوط على البنوك والشركات والحكومات والأسواق الماليَّة. وفي المقابل، فإن الاستثمار في الاستدامة والطاقة النظيفة والتكيُّف المناخي يساعد على تعزيز الاستقرار المالي، وحماية الاقتصاد من الصدمات المستقبليَّة.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»