الخميس 04 يونيو 2026 م - 18 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

قراءة فـي مسرحية مقايضة لإبراهيم الحارثي

قراءة فـي مسرحية مقايضة لإبراهيم الحارثي
الأربعاء - 03 يونيو 2026 02:17 م
40

ضمن فعاليات الأسبوع الثقافـي بجامعة ظفار 2025م 

«مقايضة» نص مسرحي من تأليف الكاتب السعودي إبراهيم الحارثي، يتناول في مشاهده المختلفة أسلوبا رمزيا عميقا في التجارب النفسية الإنسانية، وما تحدث لها من تحولات عاطفية في المواقف الحياتية التي تجبره على الرضوخ لها والتفاعل معها. حيث تعبر المسرحية عن مفهوم المقايضة بمدلول إسقاطي على الروح أو النفس ما بعد الحياة أو عقب الموت مباشرة، وتحاول أن تفسر وتحلل جوهر الحياة وحقيقتها، فمهما طالت الحياة فأن الموت مصير لا بد من ملاقاته، ومن ينجو من موته مرة سيتعثر به مهما حاول الفرار منه، في مقايضة قد توحي بوقوع الأحداث فيها مصادفة، لكل من يحاول أن يقاوم ويتجنب النهاية ولكن تعترضه المقايضات المصيرية والأشخاص الذين يوصلونه لهذا المصير، حيث يظنون بأنهم قادرين على أن يسلبوا أي شيء حتى لو كان نزع القدرة على الاستمرارية في الحياة.

في المسرحية تم ذكر عربة القطار كاسقاط رمزي لمسار الحياة؛ بما يمر فيه الإنسان من مراحل حياتية تكوّن لحظاته، سلوكياته في الكلام والصمت ومشاعره المخبأة من أثر الأحلام والكوابيس والخوف، وإيماءاته في الإشارات والضحكات بما يمثله التواصل والتفاعل. وبما يتطلبه من علو أو هبوط ليصل الى إدراكه بالفوضى. ويتمثل في طبيعته الذي يقود الى الموت الحتمي عاجلا أم آجلا. فعندما يختبر كل هذه المراحل ويستنفذ حياته في البقاء فهو سيخرج من عربة القطار في النهاية إلى مصادفة الموت. وقد تكون المقايضة على الروح مضللة وتشبه تلويحة وداع أو قد تكون يد ممدودة بالسلام ولكنها تحرض على سلب الروح بشتى الطرق الممكنة.

تتناول المسرحية أيضا محطات إنسانية أخرى في ما يعانيه من ألم أو جوع مع قدرته على تسكين مصابه بشكل مؤقت بحيلة الإلهاء والغناء، أو بنشوة الشعور بالحظ والتوفيق. وذلك عندما يعدّد أشياؤه الغالية التي خزّنها بعناية طيلة حياته في حقائب يوضبها للرحيل ظانا منه أن الحقائب متاعه الأثمن عندما يترجل من العربة. ولكن كل هذه الآمال وسبل البهجة ستُسلب منه لا محالة. فهذه المقايضة نهائية وحاسمة ولا سبيل للمقايضة عليها.

وفي النهاية عندما تتشكل النهايات لابد من الخروج ومغادرة القطار، وعندها تحشر الأجساد في فراغات الأرض وتتحلل بعد أن تدفن فيها. وثمة نهايات يتغذى عليها القطار ليشتعل ويصنع وقوده ويملء الفضاء بالضجيج ليكمل طريقه ويتابع رحلته. ومهما طارد الإنسان حياته فان الموت سيفتك به لا محالة. وعندها تتضاءل مساعي الحياة ومحاولات البقاء الطويلة بينما تعلو قيمة الحياة وإن كانت قصيرة.

لعبة المقايضة على الروح تمثل الحياة في المسرحية صفقة دائمة، حيث يتعين على الفرد التعامل مع الخيارات التي تؤثر على وجوده. وهذه المقايضة ليست فقط مادية بل تتعلق بالقرارات الأخلاقية والنفسية التي يتخذها الإنسان في حياته اليومية. كل خيار يتخذه له ثمن، سواء كان ذلك يتعلق بالعلاقات الشخصية أو الطموحات المهنية أو الجوانب الواقعية القدرية والتي تتداخل وتتصارع فيما بينها إلى أن تُستنزف الحياة.

كما ناقش النص الوجود والعدم وطرح تساؤلات وجودية عميقة حول معنى الحياة والموت. فمن خلال شخصياتها، تستكشف كيف يواجه الأفراد فكرة الفناء وكيف يتفاعلون مع inevitability الموت.

هل يسعى الشخص للخلود من خلال الإنجازات، أم أنه يقبل بحدود حياته؟

تتنوع الشخصيات في المسرحية من أشخاص يبدو أنهم يعيشون حياة عادية إلى شخصيات غريبة ومثيرة، مما يعكس التنوع في التجارب الإنسانية. كل شخصية تمثل جانبا من جوانب الحياة؛ سواء أكان ذلك الألم أو الفرح، الخيبة أو الأمل!. كانت رمزية الشخصيات تمثل مفاهيم مثل الخسارة، الفناء، أو حتى الأمل والسعي ومن خلال تفاعل هذه الشخصيات، تتكشف جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية. فمثلا ومن منظور آخر عربة القطار التي ذكرها النص، تمثل عربة القطار رحلة الحياة. كل محطة تعكس مرحلة معينة، وكل راكب يحمل معه تجاربه وآماله وأحزانه.

يمكن أن يُنظر إلى القطار كرمز للسير الدائم، حيث لا يمكن للإنسان أن يتوقف أو يعود إلى الوراء. بل عليه التقدم إلى الأمام، مهما كانت الصعوبات. وتمثل الحقائب التي يحملها الشخصيات الأعباء والتجارب التي تراكمت على مر السنين. رغم أن الأفراد يظنون أنها زادهم في رحلتهم، إلا أن المسرحية تشير إلى أن هذه الحقائب قد تكون أحيانًا عبئًا ثقيلًا يمنعهم من التقدم.

استخدم الكاتب لغة شعرية وغنية بالصور الأدبية. هذه الأسلوبية تعزز من عمق الأفكار وتساعد في توصيل المشاعر المعقدة بطريقة مؤثرة. كما صنع التداخل بين الشخصيات وأبرز التفاعل بين اختلافهم ديناميكيات الحياة اليومية، حيث تحتك المصالح والرغبات بشكل معقد؛ مما يعكس حقيقة أن الحياة ليست بسيطة بل مليئة بالتحديات والمفاجآت.

ختاما؛ هذا النص سعى لتكريس فكرة حتمية الموت. وفي نهاية المطاف سعت المسرحية لتقديم رسالة حول أهمية قبول الموت كجزء من الحياة. بدلاً من محاربة فكرة الفناء، ينبغي على الأفراد أن يتعلموا كيفية احتضان اللحظات التي يعيشونها، وأن يقدروا الحياة رغم قصرها.

في البحث عن المغزى العميق دعى نص المسرحية إلى التفكير في كيفية إيجاد معنى الحياة، حتى في ظل الظروف الصعبة. وإن سعي الشخص نحو تحقيق ذاته والتواصل مع الآخرين يمكن أن يخلق تجارب غنية تضيف قيمة إلى حياته. بهذا الشكل والطرح، تُعتبر المسرحية عملاً فنيًا يحمل الكثير من العمق والتعقيد والتناقض الإنساني، مما يجعلها تجربة فريدة تدعو للتفكير والتأمل في قضايا وجودية هامة، من خلال موضوعاتها وشخصياتها، تدعو المسرحية الجمهور إلى التفكير في تجاربهم الشخصية، وكيف يمكن أن تتداخل مع الرسائل التي تقدمها. مما يجعلها تترك أثرًا عميقًا في نفوس المشاهدين، فيجبرهم على التأمل والتمعن في خياراتهم وخلق معنى جدير ويستحق لحياتهم.