أيها القراء الكرام.. كل عام وأنتم بخير.. استكمالًا لما بدأناه من رحلة الحج وقد وصلنا عندما يكتمل الحج وتنتهي المناسك، وقد يظن البعض أنّ الرحلة قد انتهت ـ كلا ولله ـ بل الحقيقة أنّها تبدأ من جديد عند العودة إلى أرض الوطن، فالحاج لن يعود كما خرج، بل سيعود وقد تبدّل داخليًا، ويشعر أنّه وُلد من جديد، يحمل في قلبه العودة بالزاد، ولا أقصد بالزاد الذي يحمله الحاج طعامًا أو شرابًا، زادًا من الصفاء واليقين، بل هو زاد التقوى الذي تحدّث عنه القرآن الكريم:(وَمَا تَفعَلُواْ مِن خَير يَعلَمهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقوَى وَٱتَّقُونِ يَا أُوْلِي ٱلأَلبَابِ) (البقرة ـ 197)، ولذلك فإن الحاج يتحوّل من مجرّد مؤدٍّ لشعيرة إلى حاملٍ لرسالة، ومن مسافرٍ من مكة إلى شاهدٍ على معانيها في حياته اليومية قال تعالى:(أُوْلَئِكَ لَهُم نَصِيب مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلحِسَابِ) (البقرة ـ 202)، بهذا يصبح الحج نقطة تحوّل في حياة المسلم، يفتح له بابًا جديدًا من الطاعة، ويجعله أكثر حرصًا على الاستقامة، وأكثر وعيًا بمعنى العبودية، يجعل قلبه في حالة عبودية مستمرة، وهذا الزاد هو الذي يرافقه في كل لحظة من حياته بعد الحج، فهو يذكّره بأنّ الله قد غفر له ذنوبه، وأنّه عاد كيوم ولدته أمّه، وأنّ عليه أن يحافظ على هذه الصفحة البيضاء في صحائف أعماله التي مُنحت له، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) (صحيح البخاري 2/ 645)، وينبغي أن نعلم أيها الأحباب أن العودة بالزاد تعني أيضًا أنّ الحاج يصبح رسولًا لمعاني الحج في مجتمعه. فهو لا يحتفظ بالتجربة لنفسه، بل ينقلها إلى أهله وأصحابه وذويه ومجتمعه، يحدّثهم عن المشاهد الكبرى، ويذكّرهم بالنداء الأزلي للأرواح، ويعلّمهم أنّ الحج ليس مجرد رحلة، بل هو مدرسة عملية تغير السلوك والطبع والعمل، وبهذا يصبح الحاج شاهدًا حيًا على وحدة الأمة، وعلى قوة الإسلام على جمع الناس من كل مكان في مقصد واحد، لأن الأصل أنّ أثر الحج لا يقتصر على الفرد، بل يمتد إلى الجماعة، ليجعل المجتمع أكثر ترابطًا، وأكثر وعيًا بمعنى الأخوّة قال تعالى: (ِإنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة فَأَصلِحُواْ بَينَ أَخَوَيكُم وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ) (الحجرات ـ 10). ومن معاني العودة أيضًا أنّ الحاج يدرك أنّ الحج ليس نهاية المطاف، بل هو بداية عهد جديد مع الله تعالى، ينعكس على سلوكه وتربية أولاده وتعامله مع الناس، فكما أنّه لبّى النداء في الدنيا، عليه أن يستعد للنداء الأكبر يوم القيامة. بهذا يصبح الحج تدريبًا على الحياة كلها، يعلّم الإنسان أنّه في رحلة دائمة إلى الله، وأنّ كل عملٍ صالحٍ هو خطوة في طريق تلك الرحلة.
إذن نقول: إنّ العودة بالزاد هي عودة بالمعنى، عودة بالوعي، عودة باليقين، عودة بالمسؤولية، فالحج نقلة نوعية عملية نرى فيها كيف يتغيّر الحاج بعد الحج ليصبح أكثر تواضعًا، وأكثر رحمةً، وأكثر حرصًا على الخير، بل ويشعر أنّه مسؤول عن نشر معاني الحج في مجتمعه، وأنّ عليه أن يكون قدوةً في السلوك والخلق. بهذا يتحوّل الحج من تجربة فردية إلى رسالة جماعية، ومن عبادةٍ زمنية إلى أثرٍ دائم.. إنّها عودة تحمل في طياتها معنى الولادة الجديدة، حيث يبدأ الحاج حياةً أخرى أكثر نقاءً وصفاءً، وبعد هذه الرحلة مع حج بين الله الحرام بين النداء وتحققه باللقاء.. أسأل الله تعالى أن يكتب لنا جميعا حج بيته الحرام وأن يتقبل منا صالح أعمالنا.
د.محمود عدلي الشريف