نواصل معك ـ عزيزي القارئ ـ ما تبقى من حلقات هذا الموضوع الذي سبق ونشرنا من حلقاته سابقًا..
إنّ الناس عند الله منازل، كل منزلة يُرتقي إليها بعدد من الأعمال، ومن ضمن تلك المنازل مرتبة الصدق. وقد اشتهر بها صاحب رسول الله أبوبكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وقد نعته بها المولى ـ جلَّ جلاله:(وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) فالذي جاء بالصدق هو النبي، والذي صدقه هو أبو بكر، وكان لهذا العملاق شرف لا يطال فهو أول من آمن من الرجال بالنبي في أمة محمد، وقام معه داعيًا ومضحيا ومدافعا فكان عميد الصحابة وخليفتهم بعد النبي، وهو خير من وطئت قدماه الأرض بعد النبيين، يتبين من ذلك أن الصديقية هي أعلى المنازل بعد النبوة، قال الله تعالى:(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء ـ 69)، فهل لك أن ترتقي إليها؟.
اختلف المفسرون في حقيقة الصديق، بين موسع ومخصص؛ فالموسع يصف كل من اتبع الأنبياء في مناهجهم بالصديق، والمخصص يجعل مرتبة الصديقية للذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، ويرى ابن القيم تفسيرًا قيّمًا فالصدق عنده مراتب، وأعلاها الصديقية يقول: “أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدْقِ: مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَهِيَ كَمَالُ الِانْقِيَادِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ كَمَالِ الْإِخْلَاصِ لِلْمُرْسِلِ”.
ومن ثمرات الصديقية: (نيل أعلى المراتب)، حيث يلاحظ أن الصديقين يُذكرون بعد منزلة الأنبياء تسلسلًا، واتحاد القول والفعل، فالصادق هو الذي يصدق فعله قول، وقد ذم الله من يخالف: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).
ومن مظاهر الصديقية، (أنه تكون في القيادة): قد أثبت الصديق صدق ذلك، ويشهد الصحابة: أنه من يستطع في أمة محمد أن يستخلف أناسا فيهم أبو بكر، لذلك أبا الرسول أن يأم الناس غيره، إشارة لتأهله لتلك القمرة العظيمة، ومن يستطع تسلم القيادة بعد النبي مباشرة غير الصديق.
وفي القدوة: غياب مثل أولئك الرجالات يشكل تخبّطًا في السلوكيات، فهؤلاء منار الناس وعمادهم وطاعتهم نعمة ومخالفتهم نقمة:(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا). (النساء ـ 69).
ومنزلة الصديقية منزلة عظيمة تدفع بالمؤمن للارتقاء إلى أعلى المنازل الملاصقة للنبوة، وعليه فمن نعم الله أن جعل المضمار واسعًا للتنافس بعد أن خص الرسالة لأنبيائه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، تتجلّى الصِّدّيقيّة أعلى مراتب الصدق بعد النبوّة، بها يكتمل الانقياد للرسول مع تمام الإخلاص لله، ويصير القول فعلًا، والعمل شاهدًا على الإيمان.
ـ التوصية: يُوصى بالسعي إلى منزلة الصِّدّيقيّة بتحقيق الصدق في النية والعمل، وكمال الاتباع واليقين، واتخاذ سيرة الصدّيق قدوةً في القيادة والقدوة والتضحية.
سامي بن محمد السيابي
كاتب عماني
(اللجنة الثقافية لفريق الهلال – نفعاء)