الأربعاء 03 يونيو 2026 م - 17 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : اللوجستيات تصنع اقتصاد المستقبل

الأربعاء - 03 يونيو 2026 03:07 م

رأي الوطن

10

تُشكِّل الخدمات اللوجستيَّة أحد الأعمدة الرئيسة التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة، حيث ترتبط قدرتها على تحقيق النمو بكفاءة حركة البضائع، وسرعة تدفق التجارة وسلاسة سلاسل الإمداد بين الأسواق المحليَّة والعالميَّة. وفي ظل التحولات الاقتصاديَّة المتسارعة واشتداد المنافسة بين المراكز التجاريَّة الدوليَّة، أصبحت جودة الخدمات اللوجستيَّة عاملًا مؤثرًا في جذب الاستثمارات، وتوسيع الأنشطة الإنتاجيَّة، ورفع تنافسيَّة الدول. ومن هذا المنطلق تواصل سلطنة عُمان بناء منظومة لوجستيَّة متطورة تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على أهم خطوط التجارة البحريَّة العالميَّة، وتعمل على تطوير الموانئ والخدمات البحريَّة والبريديَّة والبنية الأساسيَّة المرتبطة بالنقل والتجارة. وتؤكد النتائج التي حققتها السلطنة في تقرير مؤشر أداء الخدمات اللوجستيَّة لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي نجاح هذا التوجُّه، حيث تعكس الأرقام مستوى متقدمًا من الكفاءة التشغيليَّة والجاهزيَّة التي تدعم حركة التجارة، وتُسهم في تعزيز دور القطاع اللوجستي كأحد المحركات المهمة للتنويع الاقتصادي.

إنَّ حصول سلطنة عُمان على المركز الأول عالميًّا في مؤشر بدء سلسلة إمداد التصدير بزمن قياسي بلغ (0.8) يوم يُمثِّل إنجازًا يعكس سرعة الإجراءات التجاريَّة وكفاءة الموانئ، وقدرتها على التعامل مع حركة الحاويات بكفاءة عالية. كما أن تحقيق المركز التاسع عالميًّا من بين (165) دولة في مؤشر انتهاء سلسلة إمداد الاستيراد يؤكد جودة العمليَّات التشغيليَّة المرتبطة بحركة البضائع، وسرعة تداولها داخل المنظومة التجاريَّة. وتكتسب هذه النتائج أهميَّة اقتصاديَّة كبيرة؛ لأنها تُسهم في خفض الزمن والتكاليف المرتبطة بالتجارة الدوليَّة، وهو ما تبحث عنه الشركات والمستثمرون عند اختيار مواقع أعمالهم ومراكز توزيع منتجاتهم. وكلما ارتفعت كفاءة الخدمات اللوجستيَّة ازدادت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات الصناعيَّة والتجاريَّة، واتسعت الفرص أمام المؤسَّسات الوطنيَّة للاندماج في سلاسل القيمة العالميَّة، والاستفادة من حركة التجارة المتنامية بين القارَّات.

ولعلَّ ما يميِّز التجربة العُمانيَّة في القطاع اللوجستي هو نجاحها في بناء شبكة اتصال بحريَّة متنامية مع الأسواق العالميَّة، حيث جاءت السلطنة في المرتبة الثانية خليجيًّا في مؤشر زمن بقاء حاويات التصدير في الميناء. كما حققت المرتبة الثالثة خليجيًّا في مؤشر خدمات الخطوط الملاحيَّة المباشرة، وأحرزت المركز الخامس والعشرين عالميًّا والثاني خليجيًّا في عدد التحالفات الملاحيَّة، إضافة إلى المرتبة التاسعة والثلاثين عالميًّا في عدد شركاء الاتصال البحري المباشر. وتعكس هذه المؤشرات قدرة الموانئ العُمانيَّة على الاندماج في شبكات التجارة الدوليَّة، وتوفير خيارات أوسع لحركة الشحن والنقل البحري. كما تُسهم هذه المكانة في تعزيز دور السلطنة كمركز إقليمي لإعادة التصدير والخدمات اللوجستيَّة، وتفتح آفاقًا أكبر أمام القطاعات الاقتصاديَّة المختلفة للاستفادة من شبكة النقل العالميَّة التي ترتبط بالموانئ العُمانيَّة.

إنَّ هذه الإنجازات تنسجم بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والاستثمار والإنتاج، ويعزز الأداء المتقدم في قطاع الخدمات البريديَّة، من خلال تحقيق المرتبة السادسة عشرة عالميًّا والأولى خليجيًّا في مؤشر زمن تسليم البريد بين الشركات، من كفاءة بيئة الأعمال وقدرتها على مواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونيَّة. كما أن استمرار تطوير البنية الأساسيَّة اللوجستيَّة، ورفع كفاءة العمليَّات التشغيليَّة يرسخ مكانة السلطنة كمركز لوجستي عالمي قادر على خدمة الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة بكفاءة عالية. وتُمثِّل هذه النجاحات رسالة واضحة تؤكد أن الاستثمار في اللوجستيَّات أصبح استثمارًا مباشرًا في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وتعزيز القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني في عالم تتحرك فيه الفرص بسرعة السلع والمعلومات.