ملاحم عظيمة قدَّمها الشَّعب العُماني العظيم في الأحداث التاريخيَّة التي مرَّت على البلاد، ولا غرابة في هذا الوفاء والنُّبل والقيم العُمانيَّة الأصيلة التي راكمتها الحضارات منذ فجر التاريخ. وما دعاء الرسول لأهل عُمان وثناؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث شريف مشهور: «لو أن أهلَ عُمان أتيتَ ما سبوك ولا ضربوك» إلَّا دليل يتجسد في أهل عُمان من خلال قيم التسامح والكرم، والتثبت من الأمر، والمشورة قبل إصدار الحكم، وغيرها من القيم التي لازمت هذا الشَّعب المتجذر في التاريخ. وما يلفت النظر في كثير من الأحداث التي مرَّت على البلاد، تلك القيم الوطنيَّة التي تتجلى في هذا الشَّعب العظيم، وملاحم التضحية والفداء التي برزت في عُمان. ولو تحدثنا عن الملاحم التاريخيَّة، فهذا يتطلب مجلدات عن الحقب الماضية والأدوار العظيمة لأبناء عُمان في جميع محطات التاريخ، منذ مالك بن فهم ويوم «سلوت» عندما سجل العُمانيون أحد ثلاثة انتصارات عربيَّة على الدولة الفارسيَّة قبل الإسلام، وما بعدها من استجابة صادقة وإيمان راسخ بالدِّين الإسلامي الحنيف عندما لبَّى العُمانيون رسالة الرسول الكريم الداعية للإسلام، ودخول أهل عُمان طوعًا في الإسلام، ومساهمة العُمانيين في بناء الدولة الإسلاميَّة والفتوحات الإسلاميَّة في أقاصي الأرض (السند والهند)، وفي جيش عمرو بن العاص المتَّجه لفتح مصر، ومشاركة العُمانيين في فتح الأندلس، وصولًا إلى العصور اللاحقة والإسهامات العظيمة في الكشوفات الجغرافيَّة واختراع البوصلة، وطرد الاحتلال البرتغالي من سواحل عُمان والخليج والساحل الهندي والقرن الإفريقي، وتشكيل إمبراطوريَّة عظيمة شملت جناحيها العربي والإفريقي. وسوف نرصد هنا بعض الملاحم التاريخيَّة في العقود الخمسة الماضية؛ فعندما كان أكثر أبناء عُمان خارج البلاد في بداية نهضة عُمان المباركة، وتولِّي السُّلطان قابوس ـ رحمه الله ـ الذي وجَّه النداء لأبناء عُمان المغتربين بالعودة إلى البلاد والمساهمة في تلك النهضة المباركة، حينها كانت عُمان في حالة اضطراب أمني ووجود ثورة مسلحة في جنوب البلاد. توافد العُمانيون للانخراط في وحدات الجيش السُّلطاني العُماني لتلبية نداء الوطن والذود عن بلادهم. لم يستمرئ العُمانيون البقاء خارج البلاد وهناك نهضة عظيمة بُعثت في عُمان بقيادة زعيم حكيم قاد البلاد بالحكمة والموعظة الحسنة، فاحتوى الصراع بسياساته الحكيمة، واستطاع استقطاب تلك الثورة لتنضم إلى صفوف النهضة العُمانيَّة، وتحققت أهم مرحلة وطنيَّة في غضون خمس سنوات، وأُعلن النصر في الـ(11) من ديسمبر 1975م، وقضى على التقسيمات، فركب العُمانيون سفينة الوطن الواحد، لا شقاقَ ولا فتن، ثم انطلقت خطط التنمية الخمسيَّة، وكانت مرحلة عانق فيها العُمانيون المَجد وبناء الوطن، فقامت نهضة جبارة عصريَّة سابقت الزمن، وكان الشَّعب العُماني هو الأساس المتين في بنائها على أرض الواقع بوجود ذلك القائد الفذ الحكيم.
رغم الظروف والهموم التي لا تخلو منها الأوطان، يتنكر العُمانيون للذَّات ويلبون نداء الوطن في مراحل لاحقة، ليقدِّم الشَّعب العُماني رسائل وطنيَّة عظيمة مفادها أن عُمان حباها الله بشَعب عظيم يُمثِّل الروح الوطنيَّة في كل الأزمات والظروف التي تمسُّ هذا الوطن العزيز. وما تلك الأنواء المناخيَّة التي شهدتها البلاد إلَّا تجسيد لتلك المعاني والهبات الوطنيَّة العظيمة التي انطلقت من جميع محافظات البلاد، تقدِّم الغالي والنفيس فداءً لهذا الوطن الغالي. وهنا تتجسد شهادة تاريخيَّة، وملحمة وفاء لعُمان تقول إنها حاضرة ومستعدة للفداء في كل زمان ومكان.
هناك رسائل وطنيَّة بالغة المعاني والدلالة، تجسدت في أيَّام عيد الأضحى المبارك، معبِّرة عن قيم التلاحم الوطني، ورسالة وطنيَّة تقول إن أهل عُمان سوف يلبون النداء إذا همَّ أمرٌ بهذا الوطن، تعبيرًا وتجسيدًا للتلاحم الوطني بين الشَّعب والأرض والقيادة. حفظ الله عُمان وسائر بلادنا العربيَّة والإسلاميَّة.
خميس بن عبيد القطيطي