الأربعاء 03 يونيو 2026 م - 17 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنشطة الظل وتأثيرها على الاقتصاد

أنشطة الظل وتأثيرها على الاقتصاد
الأربعاء - 03 يونيو 2026 10:04 ص

جودة مرسي

10

تتسبب بعض الممارسات التي تهدف إلى المنافع الشخصيَّة في أضرار نوعيَّة للاقتصادات الوطنيَّة في بعض الدول، وخصوصًا دول مجلس التعاون الخليجي. لكن الخطورة تكمن في أن بعضهم يروج لهذه الممارسات على أنها تدر عائدًا أكبر دون إخضاعها للتنظيم الفعَّال، ولذلك تهرب إلى اقتصاد الظل، ويبدو هذا سيئًا بكل تأكيد. ذلك أن أي شيء يتربص في الظلال لا بد أن تكون نيَّاته سيئة، وربما تكون العواقب خطيرة. وهذا الغموض في حدِّ ذاته يعني ضمنًا أننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا حيال ذلك؛ فكل ما هناك تحت الظل لا بد أن يكون بعيدًا عن متناول الإشراف التنظيمي الفعَّال. ومن الأمثلة الشائعة لهذه الحالات العمالة السائبة، التي تُعَد أحد أشكال اقتصاد الظل في بعض دول الخليج، ويُقصد بها العمَّال الذين يعملون خارج الأُطر القانونيَّة المنظِّمة لسوق العمل، مثل العمل لدى غير صاحب العمل المسجل أو ممارسة أنشطة دون تصاريح رسميَّة، مما يضر بسوق العمل بسبب التحول إلى منافسة غير عادلة مع الشركات والأفراد الملتزمين بالقوانين واللوائح، وقد تسهم في خفض الأجور في بعض القطاعات بسبب زيادة المعروض من العمالة غير المنظمة، وبالتالي إلى خسائر اقتصاديَّة للدولة؛ فتقل الإيرادات الناتجة عن الرسوم والضرائب المرتبطة بالأنشطة الاقتصاديَّة الرسميَّة، وذلك لصعوبة قياس حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي بدقة، مع التعرض لمخاطر أمنيَّة وتنظيميَّة لصعوبة متابعة أوضاع العمال غير النظاميين والتأكد من التزامهم بالأنظمة والقوانين. وهذا في حد ذاته يضع الجهات الرقابيَّة والتنظيميَّة تحت عبء كبير لمتابعة هذه النوعيَّة من العمالة، والخسارة الكبرى هي تقليل فرص المواطنين في بعض المهن والأنشطة، وتأثيرها على برامج توظيف الكوادر الوطنيَّة.

أمَّا أنشطة الظل في الاقتصاد العالمي، والتي تُعرف أيضًا بأنها الأنشطة الاقتصاديَّة التي تتم خارج الرقابة الرسميَّة للدولة، فلا تُسجل في الحسابات الوطنيَّة ولا تُدفع عنها الضرائب أو الرسوم القانونيَّة. وقد تكون بعض هذه الأنشطة مشروعة في طبيعتها لكنها غير مسجلة، بينما يكون بعضها الآخر غير قانوني؛ لأن العمل غير المسجل أو دون عقود رسميَّة يسهم في التهرب الضريبي، ولأن بعض الأنشطة غير القانونيَّة، مثل السلع المقلدة التي تدمر الصحة، تُشكِّل العبء الأكبر والضرر الفادح لهذا النوع من الأنشطة على المُجتمع. وفقدان الحكومات لجزء كبير من الضرائب والرسوم عن تجارة الظل يقلل قدرتها على تمويل الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والبنية الأساسيَّة. كما أن الشركات غير المسجلة تتحمل تكاليف أقل من الشركات الملتزمة بالقوانين والضرائب، مما يضر بالمنافسة العادلة. وغالبًا ما يعمل العاملون في الاقتصاد غير الرسمي دون تأميناتٍ اجتماعيَّة أو صحيَّة أو حماية قانونيَّة، وتؤدي أضرار أنشطة الظل إلى صعوبة قياس الحجم الحقيقي للاقتصاد، ممَّا يضعف دقة السياسات الاقتصاديَّة والتخطيط الحكومي. وهي أرضيَّة مناسبة لزيادة الفساد وغسل الأموال؛ إذ إنها توفر بيئةً مناسبةً لإخفاء الأموال غير المشروعة وتمويل الأنشطة الإجراميَّة، وفي الوقت نفسه تُبطئ التنمية الاقتصاديَّة بتقليل الاستثمار والإنتاجيَّة، وبالتالي الحد من قدرة الدولة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

هل لاقتصاد الظل جوانبُ إيجابيَّة؟

في بعض الدول النامية، توفر بعض الأنشطة المؤسَّسة من اقتصاد الظل فرصَ عملٍ ودخلًا للأفراد الذين لا يستطيعون الحصول على وظائف في القطاع الرسمي، لكنه يبقى حلًّا مؤقتًا ولا يعوض آثاره السلبيَّة طويلة المدى. وتبقى في النهاية الحقيقة الدامغة أن اقتصاد الظل ظاهرة عالميَّة تؤثر على الدول المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء، ورغم مساهمته أحيانًا في توفير فرص عمل، فإن آثاره السلبيَّة تتمثل أساسًا في تقليص الإيرادات الحكوميَّة، وإضعاف الحماية الاجتماعيَّة، وتشويه المنافسة والبيانات الاقتصاديَّة، ممَّا يعيق التنمية والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن »